الفهرس

فهرس الفصل السابع

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

أ ـ مواقف الرعيل الاول من المسلمين

موقف السيدة زينب(ع)

وفي التواريخ أنه لما أُدخل علي بن الحسين عليهما السلام وحرمه على يزيد جيء برأس الحسين (عليه السلام)، ووضع بين يديه في طشت فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده وهو يقول:

لـعبت هاشـــم بالمـلك فــــلا          خـبر جـــاء ولا وحــــي نـــزل

ليت أشياخـي ببـدر شهــدوا          جزع الخزرج مــن وقع الأسل

لأهلوا واستهـلــوا فــــرحـاً          ثـم قالـــــوا يـــا يـــزيد لا تشـل

قد قتلنا القرِمَ مـن ساداتهـم          وعــــدلناه ببــــدر فــــاعــــتدل

لست من خندف أن لم أنتقم          مـن بنــي أحمد مـا كـان فعـــل

فبينما هو يترنم بأبياته وإذا بصوت العقيلة زينب يصك مسامعه إذ لم تسمع أحداً يرد على يزيد بن معاوية فقامت وقالت:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين.

صدق الله كذلك يقول: (ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون)(1).

أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسرى أن بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت أنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسروراً حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة وحين صفاً لك ملكنا وسلطاننا.

مهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين)(2).

أمن العدل يابن الطلقاء؟! تخديرك حرائرك وإمائك وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي.

وكيف يرتجى مراقبة ابن من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟؟

وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنان والأحن والأضعان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:

لأهلوا واستــهلوا فـــــرحا          ثــــم قالوا يـــا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة، تنكثها بمخصرتك.

وكيف لا نقول ذلك؟ وقد نكأت القرحة واستأصلت الشافة بإراقتك دماء ذرية محمد (صلى الله عليه وآله) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم، فلتردن موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت.

اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دمائنا، وقتل حماتنا.

فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم.

(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون)(3).

وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد (صلى الله عليه وآله) خصيماً وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً، وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً.

ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى والصدور حرى.

إلا: فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفرها أمهات الفواعل.

ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد.

وإلى الله المشتكى، وعليه المعول.

فكد كيدك، واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارماً وهل رأيك إلا فند؟ وأيامك إلا عدد؟ وجمعك إلا بدد؟ يوم ينادي المنادي: إلا لعنة الله على الظالمين والحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل(4).

في مواجهة يزيد

ذكرت التواريخ أن يزيد هيّأ مجلساً عاماً في المسجد الأموي وأحضر علي بن الحسين عليهما الصلاة والسلام، وأمر خطيبه أن يصعد المنبر ويذم الحسن والحسين وأباهما (عليهم السلام) ففعل الخطيب ذلك بلا ارعواء وبالغ في ذم أمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم كما بالغ في مدح معاوية ويزيد والعائلة الأموية، فصاح به علي بن الحسين (عليه السلام): ويلك أيها الخاطب، اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار، ثم قال علي بن الحسين عليهما السلام ليزيد ائذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب، فأبى يزيد عليه ذلك فقال الناس ليزيد ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئاً فقال: أنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان!!

قالوا: وما قدر ما يحسن هذا الفتى.

فقال: أنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا!!

فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر.

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطب خطبة أبكى منها العيون وأوجل منها القلوب.

وقال: أيها الناس أحذركم من الدنيا وما فيها، فإنها دار زوال وانتقال، تنتقل بأهلها من حال إلى حال قد أفنت القرون الخالية، والأمم الماضية الذين كانوا أطول منكم أعماراً وأكثر منكم آثاراً، أفنتهم أيدي الزمان، واحتوت عليهم الأفاعي والديدان، أفنتهم الدنيا فكأنهم لا كانوا لها أهلاً ولا سكاناً، قد أكل التراب لحومهم، وأزال محاسنهم، وبدد أوصالهم وشمائلهم، وغير ألوانهم وطحنتهم أيدي الزمان.

أفتطمعون بعدهم بالبقاء؟ هيهات هيهات!

لا بد لكم من اللحوق بهم، فتداركوا ما بقي من أعماركم بصالح الأعمال وكأني بكم وقد نقلتم من قصوركم إلى قبوركم فرقين غير مسرورين، فكم والله من قريح قد استكملت عليه الحسرات، حيث لا يقال نادم ولا يغاث ظالم.

قد وجدوا ما أسلفوا، وأحضروا ما تزودوا، ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً.

فهم في منازل البلوى همود، وفي عساكر الموتى خمود، ينتظرون صيحة القيامة، وحلول يوم الطامة (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى)(5).

ثم قال: أيها الناس أعطينا ستاً وفضلنا بسبع، أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين وفضلنا بأن منا النبي المختار محمداً (صلى الله عليه وآله) ومنا الصديق ومنا الطيار ومنا أسد الله وأسد رسوله، ومنا سبطا هذه الأمة ومنا مهدي هذه الأمة، ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي، أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الزكاة (الركن... خ ل) بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسريَ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء مثنى مثنى، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسيفين وطعن برمحين وهاجر الهجرتين وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضــل القائمين من آل طه وياسين رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرائيل المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين والمجاهد أعدائه الناصبين وأفخر من مشى من قريش أجمعين وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين وأول السابقين وقاصم المعتدين ومبيد المشركين وسهم من مرامي الله على المنافقين ولسان حكمة العابدين وناصر دين الله، وولي أمر الله وبستان حكمة الله وغيبة علمه سمح سخي بهي بهلول زكي أبطحي رضي مقدام همام صابر صوام مهذب قوام، قاطع الأصلاب ومفرق الأحزاب أربطهم عناناً وأثبتهم جناناً وأمضاهم عزيمة وأشدهم شكيمة، أسد باسل يطحنهم في الحروب، إذا ازدلفت الأسنة وقربت الأعنة يذروهم ذرو الريح الهشيم ليث الحجاز، وكبش العراق مكي مدني خيفي عقبي بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وإرث المشعرين وأبو السبطين الحسن والحسين ذاك جدي علي بن أبي طالب.

ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن خديجة الكبرى.

أنا ابن المقتول ظلماً.

أنا ابن محزوز الرأس من القفا.

أنا ابن العطشان حتى قضى.

أنا ابن طريح كربلاء.

أنا ابن مسلوب العمامة والرداء.

أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء.

أنا ابن من ناحت عليه الجن في الأرض والطير في الهواء.

أنا ابن من رأسه على السنان يهدى.

أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تسبى.

فلم يزل يقول: أنا، أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام.

فلما قال المؤذن: الله أكبر.

قال علي بن الحسين: لا شيء أكبر من الله، كبرت كبيراً لا يقاس.

فلما قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله.

قال علي بن الحسين: شهد بها شعري وبشري وعظمي ولحمي ودمي.

فلما قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله.

إلتفت من فوق المنبر إلى يزيد وقال: محمداً هذا جدي أم جدك يا يزيد؟

فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن قلت: إنه جدي فلم قتلت عترته.

فنزل زين العابدين من المنبر، هذا وقد تفرق من كان في المسجد، والتفوا حول الإمام زين العابدين(6).

ولما خشي يزيد الفتنة وانقلاب الأمر، عجل بإخراج الإمام زين العابدين والعيال من الشام إلى وطنهم ومقرهم، ومكنهم مما يريدون.

تركيبة الجيش الإسلامي

وفي قصة أخرى فتح المسلمون الــعراق، وكان الجيش المسلم ثلاثين ألف مقاتل، فيهم الألوف من النساء الممرضات واللاتي كن يهيئن الوسائل لأزواجهن وإخوانهن وآبائهن.

والجيش الإسلامي آنذاك جيشاً شعبياً والجيش الشعبي ليست نفقته على الدولة، بل على أنفسهم، لأنهم كانوا يؤدون فريضة واجبة كالصلاة والصيام والحج، فكان الجــيش لا يأتي إلا متطوعاً متكفلاً بنفسه كل مؤنته العائلية والحربية ويستصحب النساء معه لأجل شؤونهم وأحياناً كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الحاكم الأعلى للحرب يساعد الجيش بمساعدات في شؤونهم الخاصة واليومية كما هو مذكور في التواريخ فكانت النسوة يصحبن أوليائهن في هذه الحرب، وفرقة (النخع) وحدها كان معها سبعمائة امرأة كما كان مع فرقة (البجيلة) ألف امرأة، وكان المسلم إذا لم يجد ما يتزود به عاش على التمر ونحوه من الأغذية البسيطة جداً، وفي قصص جيش العسرة الغرائب ذكرها التاريخ، وهكذا إذا تحول الإنسان من الإنسان العادي إلى إنسان تقدمي مقدام، تتحول كل حاجاته الجسدية إلى أشياء تافهة في نظره، ولا يهمه سوى التقدم، فكان المسلم المثل الأعلى في الجندية في كل زمان ومكان، يقاتل وهــو جائع ويقاتل وهو تعبان، ويقاتل وهو مثخن بالجراح، ويقاتل وهو مريــض، ويقاتل وهو شيخ كبير أو شاب في ريعان شبابه، يقاتل في الصحراء المــتوقدة في المناطق الحارة، ويقاتل في السفوح المغطاة بالثلوج في المناطق الباردة ويقاتل في إفريقيا أو آسيا أو أوروبا ويقاتل في البر مثل ما يقاتل في البحر، وأحياناً كانت المرأة تقاتل إذا كان الأمر دفاعاً كما في قصة (نسيبة) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي قصة الإمام الحسين (عليه السلام) حيث حاربت بعض النساء وأنشدت:

أنا عجــــوز ويدي ضعيفــــــة           خــــاوية بــــاليــــــة نحيفـــــــة

أضربكــــــــم بضربة عنيفــــة           دون بني فاطمــــة الشريفـــــــة

لكن الإمام (عليه السلام) ردها لمصلحة رآها، وقد نشر المسلمون الإسلام وحرروا البشرية في كثير من رقاع الأرض، حتى بلغت فتوحهم إلى ثلث المعمورة في أقل من ثلث قرن، كما يحدثنا التاريخ، وما قاتل المسلمون بكثرة العدد ولا بالأهبة المتزايدة وما قاتلوا إلا وانتصروا لأنهم كانوا ينصرون الله بقلوب ملؤها إيمان، ولم يقصدوا بعملهم عرض الدنيا، فما قاتلوا إلا دفاعاً عن الحق والمثل العليا والصدق والأمانة والحرية ولم يكونوا في ذات يوم مستعمرين وإنما كانوا محررين، ولهذا كانوا يسلّمون أزمة البلاد إلى أربابها وإذا وضعوا من أنفسهم حاكماً تصرف الحاكم كفرد واحد منهم، كما كان (سلمان) في المدائن و (عمار) في الكوفة، و (عتاب بن أسيد) في مكة إلى غير ذلك، وهذا كان دأب المسلمين الذين لم يكونوا يريدون الاستعمار لأحد أبداً، ولا يخفى أن إطلاق لفظ (الاستعمار) على ما ترتكبه الدول الكبرى في الحال الحاضر خطأ، هذا الاستعمار هو (استخراب) وليس (استعماراً).

قال سبحانه: (استعمركم)(7) وهؤلاء لا يستعمرون وإنما يخربون ويهدمون.

بين الجيشين

وعلى أي حال اتجه الجيش الإسلامي نحو الجيش الفارسي، والجيش الإسلامي مكون من ثلاثين ألف بما فيه من النساء ولعل فيهم الأطفال والصغار أيضاً كما هي العادة، أما الجيش الفارسي فكان مؤلفاً من مائة وعشرين ألفاً، وهو جيش منظم تتكفل الدولة احتياجاته حيث كانوا يقدمون للجنود الطعام واللباس والمركب وينصبون لهم الخيم المزركشة ويحملون معهم المعدات والذخائر والأموال كما كانوا يحملون معهم النساء المغنيات والخمور وآلات القمار، وقد ورد مثل ذلك في قصة محاربة قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وكذلك في قصة الذين حاربوا الإمام الحسين (عليه السلام) فكان يسمع من معسكر الإمام تلاوة القرآن والدعاء طول الليل بينما كان يسمع من معسكر ابن سعد الأغاني، وقد كان ذلك سبب التحاق ثلاثين رجلاً بمعسكر الإمام الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء، ومن الواضح أن من لم يكن مع الله لم يكن الله معه، ومن كان مع الله كان الله معه حتى وإن قتل الذي كان مع الله وسلم الذي ليس مع الله، ولذا قال الشاعر:

زعموا بأن قتل الحسين يزيدهم          كــــلا لقد قتل الحسيـن يزيدا

بطولة جندي مسلم

وعلى أي حال طلبت القيادة الفارسية من قائد الجيش الإسلامي أن يبعث إليهم من يفاوضهم ويبين لهم ماذا يريد العرب - على اصطلاحهم- فقد كانوا يتصورون أن هؤلاء هم العرب الذين كانوا يأتون إليهم قبل الإسلام، فأرسل القائد الإسلامي إليهم سفيراً ولما عرف الفرس بأن الرسول يأتيهم حشدوا ما استطاعوا من الأبهة والفخفخة وفساطيط الحرير وستور الديباج والوسائد المرصعة الموضونة، ولبس الجند أبهى الثياب وتحلوا بأحسن الأزياء ليستعرضوا على المسلمين عزتهم ومنعتهم وشوكتهم حتى يخافوا منهم ويرجعوا من حيث أتوا، جاء رسول الجيش الإسلامي بثيابه التي لا يملك غيرها، وكانت الثياب مرقعة، وله عباءة بالية وسيفه ملفوف بالخرق، حيث لم يجد الغمد، ولما أراد الدخول على (رستم) القائد الفارسي، أراد الجلاوزة نزع سلاحه فأبى وثار في وجوههم على انفراده وكثرتهم ورثة ثيابه وجودة ثيابهم لكنهم لما رأوا أنه يأبى من إعطاء سيفه سمحوا له أن يدخل بسيفه فأقبل يطأ على هذه البسط والوسائد مزدرياً بها مشمئزاً منها (ومن الواضح أن من كان نظره إلى الله سبحانه وتعالى لا يهمه المظهر) وإنما يكون كما ورد في حق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف)(8) فإن من كان همه الحقيقة لا يبالي بالمظاهر، وقد علّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسلمين بقوله وسيرته الطاهرة، عدم الاهتمام بالدنيا بل الرغبة في الآخرة، والنظر إلى لطف الله سبحانه وتعالى، و (إن التقي هو تقي القلب)(9) وإن العظمة هي عظمة النفوس، وإن متاع الدنيا ظل زائل وإن الآخرة هي الباقية وإن الله ينصر من نصره، وقد بعث فيهم الرسول (صلى الله عليه وآله) تلك الروح العظيمة التي دفعت بالمسلمين إلى الإمام مما بقي أثره إلى هذا اليوم، وإن تحطمت شوكتهم وزالت دولتهم وتسلط العملاء عليهم.

فجاء الرسول حتى بلغ سرير رستم المزركش الموضون بالذهب فجلس عليه.

وهنا تعجب هؤلاء الفرس من جرأته وصاحوا به كي يتنحى عن السرير، لكن الرسول كسر شوكتهم، وقال: يا معشر العجم، قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام ونحسب أن لكم عقولاً والآن عرفت أن لا عقول لكم، وأنكم ترضون أن تكونوا عبيداً لأمرائكم، لكنا لا فرق بيننا وبين أمير ومأمور وإنما الأمير فينا هو أكثر الناس عملاً، وأثقلهم حملاً، وأجرأهم في الحروب، وأشدهم عبادة وزهداً، لأن الإمارة فينا واجب وتكليف لا لذة وتشريف.

فقال له رستم: إنا نعلم سوء حالكم وفقركم وإقفار بلادكم وأنكم كنتم تأتوننا سائلين راغبين، وإنني سأعطي كل واحد منكم حمل بعير قمحاً وتمراً وأعفو عن جرأتكم علينا، فارجعوا إلى بلادكم، وأراد رستم بذلك استمالتهم ظاناً أنهم هم العرب السابقين الذين كانوا يهابون حتى اسم (كسرى) ويأتونهم طالبي رزق أو سائلي حاجة ولم يدر رستم أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد ملأهم بتلك الروح الوثابة التقدمية التي لا تعرف فشلاً ولا كللاً ولا مللاً ولا تأخراً، ولذا أجابه الرسول قائلاً: نعم قد كنا على شر مما ذكرت، وكنا نأكل من الجوع الحشرات، والهوام، وكان أحدنا يقتل ابن عمه ليسلبه ماله وكنا أهل جهالة وضلالة ولكن الله بعث فينا نبياً أرشدنا إلى طريق الهدى ودلنا على أبواب الخير، فألّف الله به بين قلوبنا وأنار به عقولنا، وأثار به هممنا. (ثم مضى يشرح له مزايا الإسلام وأنهم غير أولئك السابقين وأن الله سبحانه وتعالى وعدهم النصر وأنه لا بد وأن ينتصروا على الفرس كما انتصروا على غيره).

فأراد رستم أن يلاطفه ويستصغر شأنه فأشار إلى سيفه محتقراً وأمر بسيف مرصع باللآلئ والجواهر فقدمه له قائلاً: خذ هذا بدل ذاك (ولعله أراد أن يرشيه بذلك لعله ينصرف لما يعتاد من الرشوة في هذه المواقع في العالم، قبل الإسلام وفي عالم اليوم) لكن الرسول سل سيفه وضرب به سيف رستم فقطع سيفه سيف رستم المرصع بالجواهر واللآلئ، وقال: الآن إما الإسلام أو الجزية أو الحرب. فنخر رستم لما ذكر له الجزية وشخر، وعتى وتكبر، وقال: لولا أنك رسول لقتلتك، ولكن غداً سأمحوكم عن الأرض محواً، قال هذا الكلام وقلبه ممتلئ خوفاً، لأنه كان يعلم أن هؤلاء من هم وأنهم كيف يفتحون ويتقدمون (وقد ذكرنا نحن في كتبنا الفقهية أن التخيير بين الإسلام أو الجزية أو الحرب بالنسبة إلى الكفار إنما هو لإنقاذ المستضعفين من براثن المستكبرين، كما قال سبحانه: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين)(10) والجزية معناها أن يكون آخذها أعلى من معطيها، وإلا فليس للجزية معنى سيّئ).

وغداً حسب الموعد - قامت الحرب بين المسلمين والفرس، وقدم الفرس الفيلة - وكانت الفيلة يومئذ كالدبابات في هذا اليوم، أو أعظم منها، ولم يكن للمسلمين بها عهد - فاضطرب منها الجيش الإسلامي ولم يعرفوا كيف يردوها فانبرى لها طائفة من أبطال المسلمين كعمرو بن معدي كرب وأصحابه فواجهوها بالسيوف يقطعون خــراطيمها فولت تدوس أصحابها الذين سيروها ليحتموا بها.

وفي قصة أخرى ضرب المسلمون عين الفيلة بسب الرماح فعميت ولم تعرف الحركة وانتصر المسلمون انتصاراً كبيراً.

مواقف مشرفة

واتفق في هذه الحرب أن مرض القائد الإسلامي لكنه مع ذلك كان يقوم وسط المعركة غير متزعزع ولا مضطرب ولا وإن وكان يقود المعركة وهو في حال المرض، وإذ كان ينظر في الساحة رأى فرسه يركبها فارس يجول فيها ويحمل على العدو ويفرق الجموع ويفعل الأفاعيل، فعجب القائد من هذا الرجل الذي تجرأ على ركوب فرسه، ولما سأل عنه عرف أنه أبو محجن وكان أبو محجن قد شرب الخمر في الجيش - من قبل - وقد كان معتاداً لها قبل الإسلام، وكان جديد العهد بالإسلام، فلم يتمكن من تركها، ولذلك حبس القائد أبا محجن في مكان مشرف على المعركة فرأى أبو محجن المعركة وهو سجين، فقال لزوجة القائد: أطلقيني وأعطيني فرساً حتى أحارب الأعداء، ولك علي عهد أن أعود وأن أضع رجلي في القيد وصدقته المرأة (حيث كان من المتعارف بين المسلمين صدق الحديث وأداء الأمانة بما علمهم الرسول (صلى الله عليه وآله) وما كان في المسلمين السابقين الأخيار من يعاهد الله عهداً ثم يخلفه) فأطلقته زوجة القائد وأعطته فرس القائد وكان الرجل فارساً شجاعاً لا يشق له غبار ففعل في ذلك اليوم الأفاعيل الغريبة وأدار الحرب بحيث انتفع المسلمون.

فلما رأى القائد هذا الرجل وعرف أنه أبو محجن أطلق سراحه وعفا عنه قائلاً: (إن الحسنات يذهبن السيئات)(11) ولما سمع أبو محجن هذا الكلام من القائد، قال: وأنا لن أشربها بعد اليوم أبداً، ووفى بوعده وكان الفتح الإسلامي الباهر الذي ملك فيه المسلمون كنوز فارس وأرسلوا بها إلى المدينة.

قالوا وكانت الكنوز شيئاً لا يتصوره العقل في ذلك اليوم، فقد كان فيها بساط طوله ستون ذراعاً وعرضه ستون ذراعاً فيه صورة بستان ونهر وأزهار مصنوعاً من الديباج فيه قضبان من الذهب وأنواع الجواهر يشربون عليه في الشتاء فكأنهم منه في ربيع، كما كان مع المغانم تاج كسرى وسواره. ونادى الخليفة (سراقة) الذي لحق برسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الغار فبشره الرسول بأنه إن أسلم لبس تاج كسرى، وسواره، فجاء سراقة ولبس التاج والسوار وقال: الحمد لله الذي سلبها كسرى بن هرمز وألبسهما إعرابياً من بني مدلج(12).

مواقف سعيد بن المسيب

وينقل في أحوال سعيد بن المسيب أنه كان في جرأته وصراحته مع الملوك والأمراء مما يضرب به المثل، وله مواقف مشرفة مع عبد الملك والوليد والحجاج وغيرهم، فقد رفض عطاء السلطان وتراكمت رواتبه حتى بلغت ثلاثين ألفاً فلم يأخذ منها درهماً واحداً، وكان له أربعمائة درهم فقط يتجر بها بالزيت ويعيش منها عيشة زهد وكفاف وقناعة ويحكى في أحواله أنه بقي أربعين سنة لا يسمع الأذان إلا وهو في المسجد، ولم يغيّر مكانه من الصف الأول وذات مرة طلبه عبد الملك.

(وهو الملك الطاغي الذي يقتل بلا حساب ويصادر بلا حساب وينتهك الأعراض بلا حساب)، بأن أرسل مدير شرطته إليه فوقف عليه في الحلقة التي كان يدرس فيها وأشار مدير الشرطة إلى سعيد بن المسيب بإصبعه أن تعال وأدار ظهره يحسب أنه قد مشى سعيد خلفه، فلما لم يره ظن أنه لم يبصر الإشارة فرجع فأشار إليه فلما لم يرد عليه.

قال: هيه أنت، قم أجب الأمير.

قال: ما لي إليه من حاجة.

قال: لو كان الأمر إلي لضربت عنقك يدعوك الأمير ولا تجيب.

قال: إن كان يدعوني ليعطيني شيئاً فهو لك، وإن كان لشر، فإني والله لا أحل حبوتي حتى يقضي الله ما يشاء.

رجم بالحصى

ورأى سعيد بن المسيب الحــجاج مرة والحجاج يسيء في الصلاة فنبهه فلم يستمع وإنما سدر في غيه وعدم الاهتمام بالصلاة، فرماه بكف من حصى المسجد(13).

رفض وتحدى

وكان سعيد بن المسيب يروي بان الرسول (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيعتين، فلما أراد عبد الملك بن مروان أن يبايع لولديه الوليد وسليمان من بعده تبعه الناس وبايعوه، لكن سعيداً أخذ يجاهر ضد ذلك، ولم يجعل لنفسه مخلصاً بفتوى جديدة أو اضطرار أو عسر أو حرج أو ما أشبه، ولم يقل إني واحد من الناس وحشر مع الناس عيد وهم بايعوا فلأبايعن مثلهم ولم يقل إن لم أبايع نالوا من كرامتي وحقروني وأنا رمز العلم والدين فيكون التحقير للدين، ولكنه وقف موقف الحق فأبى البيعة واستند إلى حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وليس معنى ما ذكرناه أن القواعد الثانوية غير صحيحة وإنما معناه أنه لا يصل الأمر إلى القواعد الثانوية إلا إذا لم يجد الإنسان للقواعد الأولية مساغاً.

لمثل هذا الموقف ضُرب عبد الله بن مسعود، ونُفي أبو ذر إلى الربذة حتى مات هو وزوجته وولده في تلك الصحراء المقفرة جوعاً، وجاء الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) إلى كربلاء، إلى غير ذلك من قصص الأنبياء والأئمة والعلماء الصالحين الذين لم يلتجئوا إلى القواعد الثانوية حيث لم يكن المجال لها وإنما كان المجال للقواعد الأولية على تفصيل ذكرناه في الفقه.

وعلى أي حال فبذل أمير المدينة لسعيد بن المسيب أنواع الترغيب والترهيب وهدده بالسجن إن لم يبايع ووعده إن بايع الإثنين بالأموال الطائلة والمقام الرفيع، فلم يقبل، فهدده بالجلد علناً، وضج العلماء من هذا التهديد، وتوسطوا بين أمير المدينة وبين سعيد، فقال لهم أمير المدينة: افعلوا ما شئتم.

فذهب إليه وفد من كبارهم وعرضوا عليه أن يسكت فلا يقل لا ولا نعم.

قال سعيد: أنا أسكت عن الحق. لا يكون هذا وكانوا يعلمون أنه إذا قال لا، فليس هناك ما يرجعه إلى نعم إلا الحق ولا حق في بيعة حاكمين.

فقالوا له: إذاً فاعتزل يا سعيد في بيتك أياماً حتى تمر العاصفة بسلام.

قال: أبقى في بيتي ولا أخرج إلى الصلاة وأنا أسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، وما سمعتهما منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد. لا يكون هذا.

قالوا: فبدل مكانك من المسجد حتى إذا جاءك رسول الأمير لم يجدك فيه، فيرجع خائباً وينتهي الأمر بسلام.

قال: أخوفاً من مخلوق لا يكون هذا لا أتقدم ولا أتأخر من مكاني شبراً، ولما رأى الأمير أنه لا يرضخ لمقاله دعاه ثم هدده بالقتل.

قال سعيد: كيف أبايع لخليفتين وقد نهى الرسول (صلى الله عليه وآله) عن بيعتين، ولما رأى أمير المدينة أنه لا ينفع معه شيء، وأنه مصر على رأيه أمر بأن يساق إلى ساحة العقوبة فسيق وجرد من ثيابه إلا ثوباً قصيراً، وضرب خمسون سوطاً ثم أخذ إلى السجن ولما وضع في السجن صنعت بنته طعاماً كثيراً وجاءت به إليه، فقال سعيد لبنته: هذا ما يريده (هشام) يعني الأمير أن أفتقر ويذهب مالي فأحتاج إلى أموالهم فيستعبدوني بها ولا أدري إلى متى يمتد سجني، فانظري ما كنت آكله كل يوم في بيتي فأتني به، فإن العلماء لا يذلون إلا إذا احتاجوا إلى أموال الملوك.

مواقف بطولية

ويذكر أن هارون العباسي سأل (بهلولاً) عن أنه هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار؟

فأجابه بهلول: اعرض نفسك على القرآن فانظر هل أن القرآن يقول لك أنك من أهل هذه أو أهل هذه؟

قال هارون: في أي مكان من القرآن أجد ذلك؟

قال بهلول: حيث يقول الله سبحانه: (إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم)(14) فأطرق هارون رأسه إلى الأرض ولم يقل شيئاً.

وذكروا في أحوال عثمان بن الحكم الجذامي الذي كان في مصر، أن المنصور قال لليث: دلني على رجل صالح لولاية مصر، فدله على عثمان فلما جاءته الولاية كرهها كرهاً شديداً، وتألم منها ثم سأل من دل الأمير على ذلك؟

قالوا له: الليث فحلف عثمان أن لا يكلمه أبداً لأنه سبب له هذا الأذى، يعني تعرضه لولاية مصر ولم يتكلم معه حتى مات.

صورة معاكسة

وفي قبال هؤلاء الزاهدين الرجل الراغب فانظروا إلى الفرق بينهما: فقد يحكى أن (ليثاً) عالم مصر جاء إلى بغداد وقد حدث أنه جرى بين هارون العباسي وزوجته زبيدة كلام فقال لها: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة، ثم ندم فكتب إلى البلدان وجمع علماءها إليه فلما اجتمعوا جلس لهم وسألهم فاختلفوا وبقي (ليث) لم يتكلم فسأله هارون، فقال: إذا أخلى الأمير مجلسه أقول قولي في الفتيا، فصرفهم هارون، فقال: أتكلم على الأمان، قال: نعم، فأمر بإحضار مصحف فأحضر، قال: اقرأ يا أمير سورة الرحمن، فقرأها حتى وصل إلى قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان)(15) قال: إمسك يا أمير، قل واحلف بالله، فصعب على هارون ذلك، فقال: الشرط يا أمير، فحلفه بأشد الإيمان أنه يخاف مقام ربه، فلما حلف قال: هما جنتان يا أمير لا جنة واحدة، فسمع التصفيق وهياج الفرح من وراء الستر.

نعم، هكذا يفعل حب الدنيا، فهل كان هارون يخاف مقام الله سبحانه، وإذا كان كذلك فلماذا الخمر والميسر، وقتل الآمنين الأبرياء والاستبداد بالحكم وملء السجون وتعذيب السجناء والاستهتار بدماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ولو كان المراد الخوف ولو لحظة واحدة فإن كثيراً من الكفار والجناة يخافون الله ولو لحظة فهل كلهم من أهل الجنة، نعم المراد من خوف الله سبحانه الخوف الدائم الذي لا يوجد إلا في المطيعين. لكن ذلك أيضاً مشروط بالإيمان التام والاستقامة التامة وإلا فالعديد من رهبان النصارى والبراهمة ومن أشبههم يخافون الله سبحانه وتعالى خوفاً دائماً، وكذلك من المنحرفين في العقيدة أو في العمل وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام حول الخوارج إنهم طلبوا الحق فأخطؤوه(16) مما يدل على أنهم كانوا طالبين للحق وإنما أخطؤوه، وخطأهم سبب لهم ورود النار وعدم كونهم من أهل الجنة.

ب ـ مواقف العلماء أمام الطاغوت

شجاعة الإمام الميرزا الشيرازي

من قصص الشجاعة والشجعان ما ينقل عن قائد ثورة العشرين (آية الله الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي رحمه الله) أنه كان في كمال الشجاعة.

وذات مرة أراد الحاكم العسكري العام البريطاني المسمى بـ (كوكس) الذي احتل العراق، وكان يسكن في بغداد أن يزور الإمام الشيرازي، قال المتحدث: - وهو أحد أشراف كربلاء - أنه ذهب إلى سماحة الشيخ وطلب منه أن يأذن (لكوكس) بزيارته، فأبى الشيرازي ذلك وكلما ألح هذا الوجيه على أذنه في زيارته له لم يزدد الشيخ إلا إباءً قال: فذهبت وقلت لكوكس: إنه يأبى زيارتك له، قال: فإني أزوره على حين غرة وبدون سابق موعد.

قال المتحدث: وبالفعل فقد زاره كوكس على حين غرة مع بعض أصدقائه والإمام كان جالساً في غرفته، ففوجئ بزيارة كوكس له لكنه لم يرفع له رأساً ولم يتكلم معه بكلمة، وكلما تكلم كوكس وترجم له المترجم لم يجبه شيئاً فاحمر وجه كوكس خجلاً وامتلأ غضباً وغيظاً وقام وخرج من الدار.

قال المتحدث: ولما عرفت الأمر جئت إلى الميرزا فقام لي احتراماً وأجاب السلام ورحب، ولما جلست أمر لي بالشاي. قلت له: شيخنا إني رجل عادي ومع ذلك تحترمني هذا الاحترام تقوم لي إعظاماً وتجيب السلام، وتأمر لي بالشاي، وكوكس هذا ممثل بريطانيا العظمى وهو مسيطر على العراق الآن، لا تتكلم معه، ولا تقوم له، ولا تأمر له بالشاي، ولا تحترمه؟

عندها رفع الإمام الشيرازي رأسه وقال: يا فلان إنك رجل مسلم ومن اللازم على المسلم أن يحترم المسلم، أما هو رجل كافر محارب والمحارب لا احترام له ولهذا لم أحترمه، وأحترمك.

شهامة وشجاعة

ومن قصص الشجاعة الإسلامية المعاصرة أنه طلب فيصل الأول - الذي صار ملكاً على العراق بعد احتلال البريطانيين - من علماء النجف الأشرف الالتقاء به لكنهم أبوا وأخيراً صار القرار على تلاقي الطرفين في الروضة العلوية على مشرفها آلاف السلام والتحية، فاجتمع به السيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وقد فوضا الشيخ الجزائري للتكلم معه (في مشكلة حدثت بينه وبين عشائر الفرات) فتكلم معه الشيخ الجزائري، لكن فيصل تهرب عن الموضوع وكذّب تدخل الحكومة في شؤون الفراتين، قال له الشيخ الجزائري: اليوم يوم شريف وهو يوم الجمعة وهذا بلد شريف وهو النجف، وهذا مكان شريف وهو الحرم، ومن تشرفنا بحضرته، هو شخص شريف وهو الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، ومع كل ذلك أنت يا فيصل في مثل هذا الموقف تكذب، فتغير وجه فيصل، وامتلأ خجلاً وغضباً لكنه لم يتمكن أن يعمل شيئاً، وكان سبب ذلك أن عشائر الفرات كان بيدهم السلاح وكانوا يتحدون الحكومة، فكلما أرادت الحكومة الإجحاف بالنسبة إلى العراقيين وقف أولئك أمامها حتى جاء عبد الكريم قاسم - بنيابة عن بريطانيا - فخلع السلاح من العشائر بأعذار واهية مما سبب اختلال ميزان القوى بين الحكومة والشعب، فجرى ما جرى مما يكتوي العراقيون بناره إلى اليوم.

العالم الشجاع

وكان أحد علماء إصفهان المسمى بالآقا النجفي من العلماء الشجعان الذين لا يبالون في الحق بما يصيبهم من الأذى فاتفق أن ستة من البهائيين قتلوا جماعة من المسلمين في شجار وقع بينهم وذلك في أيام ناصر الدين شاه وكان حاكم إصفهان إذ ذاك (ظل السلطان) وهو رجل متعجرف قاسي مستبد، فأرسل (الآقا نجفي) إلى ظل السلطان: أن خذ هؤلاء واقتلهم بما قتلوا من المسلمين، فإن جزاء القتل القتل، بعد أن لم يكن أصحاب الدم يرضون بالدية ولا غيرها. لكن ظل السلطان لم يرضخ لأمر القرآن الحكيم والشريعة المقدسة وحيث رأى العالم أن الحاكم لا ينفذ أمر الله سبحانه وتعالى، أرسل إلى أولئك فحصل على ثلاثة منهم وضرب أعناقهم قصاصاً ولما سمع (ظل السلطان) بذلك جن جنونه وحيث لم يكن يتمكن من مقابلة العالم لشعبيته الواسعة أرسل إلى أبيه (ناصر الدين شاه) في طهران أن هذا الرجل يفسد الملك، فمن الأفضل أن يجلبه الشاه إلى طهران ويكون مبعداً هناك حتى تخمد الثائرة وطلب (الشاه) الشيخ، فجاء جلاوزته وألقوا القبض عليه وسيق إلى طهران وأحضر لمقابلة الشاه، لكن الشاه لم يقابله في ابتداء مجيئه، قاصداً التنكيل به ثم لما دخل عليه أخذ يعاتبه ويتهجم عليه ويقذع له الكلام والشيخ ساكت ولما سكت الشاه عن كل الكلام أخرج الشيخ من جيبه ورقة صغيرة مكتوب فيها أسامي ثلاثة أشخاص وتوجه إلى ناصر الدين شاه بدون أن يجيبه على كلامه ذلك قائلاً له: أن ستة من البهائيين قتلوا المسلمين وجزاء القتل القتل، كما قال سبحانه: (إن النفس بالنفس)(17)، وإني تمكنت من قتل ثلاثة منهم قصاصاً أترقب من الشاه أن يقتل الثلاثة الآخرين وهذه أسماؤهم، فتعجب ناصر الدين شاه، من رباطة جأشه وقوة قلبه ومضي إرادته وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم فأرجعه إلى بلده إصفهان بإكرام واحترام، وأمر بتبعيد أولئك الثلاثة عن إصفهان حتى لا يكونوا في معرض المجتمع ويهيجوا الناس تهيجاً جديداً.

العالم المحرر

كانت لحكومة (صقلية) الكافرة معاهدة مع حكومة المسلمين حيث أن المسلمين حكموا أطراف البحر المتوسط من نصف الساحل الشرقي إلى نصف الساحل الغربي، وكان الساحل الجنوبي كله لهم والشمالي تحت حمايتهم، وفي ظلال رايتهم، تربطهم عهود بإيطاليا وصقلية وغيرها، لكن بعض المسلمين جاءوا إلى الحاكم المسلم واسمه (زيادة الله) وأخبروه أن حكومة صقلية نقضت العهد وحبست بعض المسلمين وأساءت إلى الجالية الإسلامية فنهبت أموالهم وعذبت منهم جماعة، فطلب الحاكم قاضيين من قضاته يستفتيهما في الأمر، أما أحد القضاة واسمه (أبو محرز) فلم ير ذلك الخبر دليلاً كافياً، وأما القاضي الثاني واسمه (أسد) فقال: إن المعاهدة إنما أبرمت على أيدي الرسل وأخبار الرسل كاف لنقضها مستنداً إلى أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إعتمد على أهل الخبرة ولما أفتى القاضي (أسد) بصحة أخبار من أخبر الحاكم بنقض حاكم صقلية العهد شرع الحاكم يجهز الأسطول وطلب من القاضي أسد أن يكون مع المجاهدين المسلمين فقبل (أسد) أن يتجهز لأجل الجهاد فهيّأ الأسطول المؤلف من ثمان وتسعين قطعة حربية فيه جيش من عشرة آلاف رجل وتسعمائة فارس وجعل الحاكم (أسداً) قائداً عاماً على ذلك الأسطول، ولما أراد (أسد) الخروج بأسطوله إلى الجهاد، لم يتكبر كما هو شأن بعض القادة وإنما توجه بتواضع نحو المسلمين الذين جاءوا لمشايعته وخطب فيهم قائلاً: (والله يا معشر الناس ما ولي لي أب ولا جد ولاية قط، وما رأى أحد من أسلافي مثل هذا قط، وما بلغته إلا بالعلم فعليكم بالعلم، أتعبوا فيه أذهانكم وكدوا به أجسادكم واتقوا الله حق تقاته تبلغوا به الدنيا والآخرة).

ولقد نجح هذا الشيخ الجليل بأسطوله نجاحاً باهراً، ولما طالت أيام المعركة وقلت الأقوات تململ بعض الجند وتحركت بعض العناصر يريدون العصيان وأرسلوا إلى الشيخ الأمير أسد بن الفرات رسولاً بالرجوع، لكنه أبى وصرخ بالجند تقدموا إلى الأمام فإن النصر معنا والله وعدنا به ولن يخلفنا الله وعده، وتقدم هو بنفسه وتبعه الناس فظفر على صقلية وفتحها وكان ذلك ابتداء الدولة الإسلامية في صقلية التي امتدت قروناً لكنه استشهد في تلك المعركة بعد ما فتح ذلك الفتح المبين، ولم يعرف له قبر إلى اليوم، قال بعض الشعراء في حقه:-

هو الطاهر الأثواب لم تبق روضة          غداة ثــــــوى إلا اشتـــهت أنها قـبر

عـليـــك سلام الله وقفــــاً فإننـــــي          رأيت الكريـــم الحر ليس لـــــه قـبـر

وهكذا يفعل الإسلام بالإنسان فالمسلم راهب في الليل أسد في النهار، لا يثقله عمله عن أن يكون مجاهداً ولا جهاده أن يكون عالماً.

موقف المجدد الشيرازي

يحكى عن الميرزا المجدد أنه بعد قصة التنباك وفد إلى سامراء أربعة سفراء سفير لبريطانيا وسفير لروسيا وسفير لإيران وسفير للعثمانيين، وبقوا هنالك أياماً يريدون لقاءه، لكن الميرزا لم يأذن لهم في الدخول عليه وبعد مدة أذن لسفيري إيران والعثماني، ولما سأل عن سبب ذلك قال: إن ذينك السفيرين سفيرا بلاد كافرة ولا يقصدان بالمجيء إلا الباطل وأنا عالم لا شأن لي بهما، وأما سفير إيران والدولة العثمانية فهما سفيرا بلاد الإسلام، وإني عالم مسلم، فلي أن أتقبلهما، ولما جاءاه طلبا منه أن يقترح على حكومتيهما أي مطلب يريده، لكنه صرفهما بسلام وقال: ليس لي اقتراح جديد وإنما عملت بتكليف شرعي لما رأيت أن الكفار يعيثون في بلاد الإسلام فساداً فأمرت الشعب بالنهوض أمام الكفار ليخرجوهم وإني الآن راجع إلى إدارة الحوزة وسائر شؤون العلم والعلماء وهكذا كانت شجاعة المجدد رحمه الله تعالى، في الوقوف أمام البريطانيين حتى تمكن من إخراجهم من إيران بعد ما ملأوا إيران بأربعمائة ألف جندي تحت شعار انحصار التنباك في قصة مشهورة في التواريخ.

موقف السيد الأصفهاني

جاء إلى المرحوم السيد أبو الحسن (قدس سره) سفيرا بريطانيا وأمريكا - وكان من عادة علماء العراق أن يزورهم سفراء بلاد الإسلام وبلاد الكفر - وأطالا الجلوس لعل السيد يطلب منهما مطلباً، لكنه أبى إلا السكوت، حتى اضطرا أن يقولا له: هل لسيدنا من أمر؟

قال السيد: لا، فألحا عليه فأصر على أنه لا مطلب له، وأخيراً قالا: إن حكومتي بلادنا طلبت منا أن تطلبوا مطلباً، فإن لم تطلبوا شيئاً كان معناه الإهانة وكيف لا يكون لكم مطلب وأنتم زعيم المسلمين؟ ومورد حوائجهم؟

قال السيد: إذا كان الأمر هكذا فافتحوا طريق إيران إلى الأعتاب المقدسة في العراق.

قال: نعم.

ولم يمض أسبوع إلا وجاء سيل من المسافرين إلى زيارة العتبات المقدسة وبقي بعضهم في العراق لطلب العلم أو الكسب أو سائر الشؤون، وتبين أن منع البهلوي كان بأمرهم وأن استقلاله الذي كان يدعيه لم يكن إلا عمالة للمستعمرين.

العالم الناقد

بنى عبد الرحمن الناصر حاكم أندلس قصر الزهراء في (قرطبة) وهو قصر قد جمع فيه من البهاء والعظمة والجمال والروعة الشيء الكبير، ولما تم البناء حضر الملك والقواد، والعلماء والضباط، والتجار والكسبة وسائر طبقات الناس ليفتتح القصر، وفي هذا المجلس الحافل الضخم قام القاضي (منذر بن سعيد) البلوطي فصعد المنبر وبدأ الخطبة بقوله سبحانه: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، أمدّكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)(18) وواصل الكلام بذم السرف والترف وإضاعة أموال الأمة في زخرفة القصور وتابعه بقوله - ودموعه تنحدر من لحيته - والله يا أمير ما ظننت أن الشيطان أخزاه الله يتمكن منك هذا التمكن حتى أنزلك منازل الكافرين فجعلت قرامد بيتك من الذهب والفضة والله تعالى يقول: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون، وزخرفاً وأن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين)(19) ثم قرأ قوله سبحانه: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين، لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم)(20) وما زال في مثل هذا الكلام يتكلم ضد الحاكم ووزرائه وأمرائه الذين يؤازرونه في معصية الله وينتقص القصر حتى نسى الناس الحاكم ونسوا الاحتفال وتوجهت القلوب إلى الله سبحانه، وصفت النفوس وارتج المسجد بالبكاء ونزل هذا والهيئة الحاكمة تتميز غيظاً على هذا الخطيب الذي تجرأ وتكلم بمحضر الملك بهذا الكلام، فلما قضيت الصلاة انصرف الملك مغضباً وقال لابنه: أرأيت جرأته علينا؟

ثم أردف والله لا صليت خلفه الجمعة أبداً، قال له ابنه (الحكم): وما يمنعك من عزله؟

فرجع الملك إلى نفسه وقال: ويحك أمثل منذر بن سعيد في فضله وورعه وعلمه يعزل في إرضاء نفس ناكبة عن سبيل الرشد إني لأستحي من الله أن أجعل بيني وبينه إماماً غيره، ولكنه قسم سبق ثم أمر بنقض الذهب والفضة من القصر.

العالم المتحدي

وفي التاريخ أنه أراد الناصر أن يبني قصراً لإحدى نسائه وكان بجوار المكان دار صغيرة وحمام لأيتام تحت ولاية القاضي فطلب شرائه، فقالوا: إنه لا يباع إلا بإذن القاضي. فسأله فقال: لا إلا بإحدى ثلاث حاجة الأيتام، أو وهي البناء، أو غبطة الثمن، فأرسل الملك خبراء قدروهما بثمن لم يرتضه القاضي، فأبى البيع وأظهر الملك العدول عنهما والزهد فيهما وخاف القاضي أن يكون مكيدة ثم يأخذهما جبراً، فأمر بهدم الدار والحمام، وباع الأنقاض بأكثر مما قدره الخبراء، فعزّ ذلك على الملك وقال له: ما دعاك إلى ذلك؟

قال: أخذت بقوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً)(21) لقد بعت الأنقاض بأكثر مما قدّرت للدار والحمام وبقيت للأيتام الأرض فالآن اشترها بما تراه لها من الثمن، فاضطر الملك أن يقول أنا أولى أن أنقاد إلى الحق.

العالم الصامد

وفي قصة أخرى أن (بغا) وكان هو المسيطر العام على الحكم في أيام العباسيين حتى قال الشاعر فيه وفي (وصيف) الذي كان شريكاً لبغا في السيطرة على الحكم:-

خليفة في قفص بين وصيف وبغا            يقول مــا قالا له كما يقــول الببغا

وكان مرهوب الجانب ويقتل الناس اعتباطاً ويخافه كل قريب وبعيد حتى الخليفة العباسي كان بنفسه يخافه، أرسل إلى القاضي أن يبيعه بستاناً كان لبعض الأيتام في جوار بستان (بغا). لكن القاضي رد الرسول وقال: إنه لا يباع، إذ لا يحق لي بيع البستان بلا مبرر.

فقال الرسول: - متعجباً من جرأة القاضي - ويلك (إنه بغا) يعني يفعل ما يشاء إذا لم تبعه وهو يطلبه.

فقال القاضي بكل هدوء: يا أخي (إنه الله) يعني أن في طرف بغا هو الله ولا أتمكن من مخالفة أمر الله فأغضب الرسول وجاء إلى بغا يحدثه بالقصة فارتعش (بغا) وارتجف قلبه من ذكر اسم الله سبحانه وتعالى وقال ثلاث مرات: (إنه الله، إنه الله، إنه الله) وترك الإشتراء وهكذا تفعل المواعظ الخارجة من القلب في تغيير الواقع المعاش.

في مجابهة البهلوي

صعد المنبر في (قصر كلستان) للبهلوي الثاني، أحد الخطباء حين كان البهلوي حاضراً، والمجلس غاص بألوف من الضباط والقواد ورجال البلاط والوزراء وغيرهم من الشخصيات الرفيعة، وتوجه إلى الشاه قائلاً: أيها الملك إنك تزعم أنك تكافح الشيوعية، ولكن اللازم أن نقول لك بصراحة إنك أنت الذي جئت بالشيوعية إلى إيران، وإنك أنت الذي شجعت وتشجع الشيوعيين بأعمالك وأفعالك، فإن تضعيفك للدين ونشرك للمخامر والمقامر والملاهي والمباغي في طول البلاد وعرضها واستبدادك للحكم، وسنّك للقوانين غير الإسلامية، وترويجك الأفكار الغربية والإلحادية، وترفك وسرفك، وبذخك وبطرك، وجمعك حول نفسك البهائيين والمفسدين، هو الذي شجع الشيوعيين، وروّج الشيوعية. وواصل منبره بهذا النحو من الكلام حتى إذا نزل حاولت السلطة إلقاء القبض عليه لولا اضطراب الناس فتركته وشأنه.

العالم الزاهد

ورد في التاريخ أن أحد العلماء زار المحقق الأعرجي في الكاظمية فرأى له بيتاً صغيراً ومتاعاً قليلاً، فتأثر من ذلك تأثراً بالغاً ولما جاء إلى طهران قال للملك القاجاري: إني وجدت عالماً في الكاظمية بهذه الكيفية فلو أمرت له بمال، فأرسل الحاكم القاجاري له مالاً كثيراً، لكنه لما أخبر المحقق الكاظمي بأن الملك أرسل له مالاً، تأثر كثيراً وأخذ يبكي بكاءاً عالياً قيل له فيم بكاؤك؟

قال: لأني لا أعلم ما هي المعصية التي صدرت مني حتى أن الله سبحانه وتعالى طردني عن بابه واستحققت أن يثبت اسمي في ديوان الظالمين ولم يقبل المال إطلاقاً.

لا لمصاهرة الملك

وينقل في أحوال المحقق القمي صاحب القوانين أن الملك القاجاري فتحعلي شاه طلب منه أن يزوج ابنته من ابن المحقق فكره المحقق ذلك ولكنه لما لم يتمكن من رد الملك لاعتبارات إجتماعية طلب من الله سبحانه وتعالى أن ينجيه من هذه المهلكة، فمرض الولد ثلاثة أيام والتحق بالرفيق الأعلى مما سبب للمحقق الراحة من تلك المشكلة.

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث يروى عنه أنه إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فقولوا بئس العلماء وبئس الملوك وإذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء فقولوا نعم العلماء ونعم الملوك.

المصداق الحسن

ويروى أن الميرزا المجدد الشيرازي لما ذهب إلى الحج أراد شريف مكة أن يزور الميرزا، لكن لا بذهابه إليه، بل بمجيء الميرزا إلى داره، فأرسل يخبره بذلك فردّ الميرزا عليه: بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: هذا الحديث، فإذا أحببت أن تكون مصداقاً سيئاً للأمراء وأن أكون أنا مصداقاً سيئاً للعلماء زرتك، لكنك إذا أردت أن تكون مصداقاً حسناً للأمراء وأكون أنا مصداقاً حسناً للعلماء فزرني، فقال الشريف: إني لا أحب أن أكون أنا وهو من المصاديق السيئة للأمراء والعلماء، فجاء إلى زيارة الميرزا في داره.

المصداق السيئ

وفي قبال هؤلاء العلماء الزهاد ذوي الشجاعة الذين نجدهم يجتنبون عن السلطان وعن الدنيا، ويتقشفون في الحياة خوفاً من الله سبحانه وتعالى نجد العلماء الراغبين في الدنيا المتهالكين عليها ومن جملتهم ابن أبي دؤآد، فقد كان هذا الرجل من أشد الناس تكالباً على الدنيا وملازماً باب الخليفة ومحارباً للعلم والعلماء، والزهد والزاهدين، فقد رووا عنه أنه، قال: إن سارقاً أقر على نفسه بالسرقة وسأل من المعتصم العباسي تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع الخليفة لذلك الفقهاء في مجلسه وأحضر أيضاً الإمام الجواد عليه الصلاة والسلام.

فسأل العباسي من الفقهاء عن الموضع الذي يجب أن تقطع يد السارق منه فقلت أنا من (الكرسوع) لقول الله تعالى في التيمم (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم)(22) واتفق معي على ذلك قوم، وقال آخرون: بل يجب القطع من (المرفق) لقول الله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق)(23) قال: فالتفت إلى محمد بن علي عليهما السلام فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟

فقال (عليه السلام): كفاك القوم، فأصر عليه.

فقال: إن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع ويترك الكف له.

قالوا: وما الدليل على ذلك؟

قال: لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): السجود على سبعة أعضاء، الوجه واليدين والركبتين والرجلين(24) فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها وقد قال سبحانه وتعالى: (وأن المساجد لله - يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها - فلا تدعوا مع الله أحداً)(25) وما كان لله لم يقطع فأعجب المعتصم بذلك، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف.

لكن هذا الرجل ابن أبي دؤآد الذي عدد نفسه من العلماء ذهب إلى المعتصم وقال له: إن كثيراً من المسلمين يعتقدون بإمامة هذا الرجل وإنك بتقديمك قوله على أقوال سائر العلماء صدّقت أولئك، فهلا تعمل ما يخالف ذلك؟

وألح على المعتصم حتى غيره على الإمام (عليه الصلاة والسلام)، فأمر بقتل الإمام (عليه السلام) فقتل.

علماء البلاط

وكان ابن أبي دؤآد يحسد غير العلماء أيضاً تكالباً على الملك والسلطة، فقد عادى الأديب الشاعر المعروف (ابن الزيات) وكان بينهما خصام ظاهر وهجاء طويل وكان السبق أولاً لابن الزيات فلما صدر المرسوم من العباسي بأن يقوم لابن الزيات كل من في المجلس إذا دخل، كان ابن أبي دؤآد إذا رآه داخلاً وقف للصلاة ولكنه لم يزل يغري صدر العباسي على ابن الزيات حتى نكّل به في قصة مشهورة ألمحنا إليها في بعض مباحث هذا الكتاب, وقد عاش ابن أبي دؤآد إلى أيام المتوكل وأصابه الفالج وعزل وبقي مريضاً يعاني شدائده إلى أن مات.

ثم ليس من الغريب أن نجد من يمدح مثل ابن أبي دؤآد لأجل المال والمنال، فقد مدحه بعض الشعراء بقوله:

لقد أنست مساوئ كـل دهر           محاسن أحمـــد بن أبـي دؤآد

وما سافرت في الآفــاق إلا          ومن جدواك راحلتـــي وزادي

وقال آخر في حقه:

لقد حازت نزار كــل مـجــد           ومكرمة على رغـم الأعـــادي

فقــــل للفاخرين على نزار           ومنهم خنـــدف وبنــــو أيــــاد

رسول الله والخلفاء مــنها          ومــنا أحمــــد بن أبــــــي دؤآد

 

وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب، والله سبحانه المسؤول والمأمول أن ينقذ المسلمين من براثن الشرقيين والغربيين والمنصوبين من قبلهم حكاماً على بلاد المسلمين لترجع لهم دولتهم الواحدة ذات الألف وخمسمائة مليون مسلم، وما ذلك على الله بعزيز.. 

 

اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة..

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

قم المقدسة              

11 محرم الحرام 1408هـ ـ ق   

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي

 

1 ـ سورة الروم: الآية 10.

2 ـ سورة آل عمران: الآية 178.

3 ـ سورة آل عمران: الآية 169.

4 ـ مقتل الحسين للخوارزمي: ج2 ص64.

5 ـ سورة النجم: الآية 31.

6 ـ مقتل الحسين للخوارزمي: ج3 ص69.

7 ـ سورة هود: الآية 61.

8 ـ نهج البلاغة: الخطبة 37.

9 ـ انظر بحار الأنوار: 70 ص286.

10 ـ سورة النساء: الآية 75.

11 ـ سورة هود: الآية 114.

12 ـ البداية والنهاية ج3 ص182 وج 6 ص251.

13 ـ أعيان الشيعة ج7 ص254 (جزء 35 ترجمة سعيد بن المسيب).

14 ـ سورة الانفطار: الآية 13-14.

15 ـ سورة الرحمن: الآية 46.

16 ـ انظر نهج البلاغة: الخطبة 61.

17 ـ سورة المائدة: الآية 45.

18 ـ سورة الشعراء الآيات 128-135.

19 ـ سورة الزخرف: الآية 33-35.

20 ـ سورة التوبة الآيتان 109- 110.

21 ـ سورة الكهف: الآية 79.

22 ـ سورة المائدة: الآية 6.

23 ـ سورة المائدة: الآية 6.

24 ـ وسائل الشيعة: ج4 الباب 4 من أبواب السجود ح2 ص954.

25 ـ سورة الجن: الآية 18.