الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

وقبل ثلاثين عاماً

قبل أكثر من ثلاثين عاماً، أي: في عام ألف وثلاثمائة وتسعين هجرية على هاجرها آلاف التحية والسلام، اُخرجنا من العراق، وسنذكر بعض أسباب ذلك، فإنه قد أخرجتنا بدعة الغرب وقوانينه التي صدرها للبلاد الإسلامية وطبقها عملاؤه، وأصبحنا ضحية مخططاته ومؤامراته، وسفّرتنا لعبة الجناسي والهويات، والإقامة والجوازات، وهجرتنا فرية الحدود الجغرافية الكاذبة بين الوطن الإسلامي الواحد.

ولا يخفى أني كنت من أول يوم ونحن في العراق مخالفاً لما ظهر في البلاد الإسلامية من البدع الغربية والقوانين الوضعية[1] مما يسمى بالهوية، والجنسية، والجواز والإقامة وما أشبه ذلك من الأمور المبتدعة التي لم ينزل الله بها من سلطان، والتي سببت تفريق كلمة المسلمين، وتقييد حرياتهم، وتكبيل كل واحد منهم بقيود وأغلال، حتى لا يتمكن المسلمون من تشكيل وحدتهم المقررة شرعاً.

البدعة والاعتراض عليها

ثم إني اعتراضاً على هذه البدع المحرمة شرعاً لم أقدم على أخذ هوية ولا جواز، ولا اقتناء جنسية ولا إقامة، وعلى إثره لم أستطع أن أسافر إلى خارج العراق، إلا إلى سفر الحج حيث اصطحبني والدي (قدس سره) [2] إلى الحج بعد أن بذل (رحمه الله) الحج لي وذلك بوسيلة مختلفة عن تلكم المراسيم.

وكيف كان، فإني استنكاراً للقوانين الغربية الكابتة، تركت اقتناء ما ابتدعوه من هوية وجنسية، وإقامة وجواز، حتى اضطررت إلى أخذ ذلك عندما قصدوا إخراجي من العراق، ذلك لأن الحكومة العفلقية[3] المتسلطة بقوة الحديد والنار على العراق قررت تسفير المؤمنين وإخراجهم من مسقط رأسهم ووطنهم، وتسخير البلد وتسليمه لأسيادها بريطانيا وأمريكا وإسرائيل، وقد ذكرت تفصيل ذلك في بعض ما كتبته نقلاً عما قاله وزير داخليتهم.

الضرورات تبيح المحذورات

نعم، لقد اضطررت أخيراً إلى اقتناء ما يسمى بالإقامة وجواز السفر لخروجي الاضطراري من العراق، وذلك تفادياً لما يصيب الإنسان من الأخطار كالسجن وشبهه إذا لم يحمل معه شيئاً من هذه المبتدعات، وقد حصلت على هذه الأمور لمغادرتي مكرهاً العراق مسقط رأسي، إلى سوريا، علماً بأن الحكومة البعثية العراقية كان من قصدها إخراجي إلى إيران، ولكني لم أكن أرضى بالذهاب إلى إيران، لأن الشاه كان يضادّني مضادة شديدة وخاصة بعد أن أقمت مجلس الفاتحة في كربلاء المقدسة على أرواح المؤمنين الذين قتلهم الشاه في قصة معروفة في إيران.

وكان في حصولي على الجواز وعلى تأشيرة الخروج من العراق والدخول إلى الأراضي السورية تسهيل لمغادرتنا، فلقد كان الاستعمار يهدف إلى إخراج الشيعة من العراق ونفيهم من وطنهم ومسقط رأسهم، وقد خططوا لذلك على يد ياسين الهاشمي[4]، ثم عبد المحسن السعدون[5]، وذلك قبل الانقلاب العسكري الذي قاده بأمر الأسياد عبد الكريم قاسم[6] وصار وبالاً على العراق والعراقيين، حيث فتح الباب على مصراعيه لقراصنة الحكم، وتسبب في مجيء البعثيين العفالقة إلى بغداد ليسرقوا الحكم من أهله وشعبه، ولينفّذوا كل ما خططه الاستعمار واليهود ولم يكن يوفق بعد لتطبيق من تسفير وتهجير وغير ذلك.

خديعة حصر المهن

وكيف كان، فان عبد المحسن السعدون شرّع في المجلس قانون (حصر المهن) ومعنى (حصر المهن) هو: أن لا يكون هناك إنسان غير عراقي يستطيع أن يشتغل ويعمل في العراق حتى ليوم واحد، وذلك من غير فرق بين أن يكون غير العراقي هذا: سورياً أو أردنيا، كويتياً أو بحرينياً، إيرانياً أو أفغانياً، أو ما إلى ذلك، بحجة أن غير العراقي يكون أجنبياً في العراق فلا يسمح له بالعمل، مما معناه: الرد الصريح على القرآن الكريم القائل: ((إنما المؤمنون أخوة)) [7] والمعلن: ((إن هذه أمتكم أمة واحدة)) [8] والرد الواضح على الرسول الحبيب(صلى الله عليه وآله) القائل: «أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي،

ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، قال الله تعالى: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) [9] »[10].

وبعد تصويب المجلس قانون (حصر المهن) جاء دور التطبيق، فأخذت السلطات العراقية تمنع العراقيين من تشغيل أي مسلم غير عراقي، بحجة أنه أجنبي، وأنه يسلب فرص العمل عن المواطنين العراقيين.

وهكذا خالفوا حكم الله والرسول(صلى الله عليه وآله)، وزرعوا الفرقة بين المسلمين، وأفسدوا في أرض العراق الآمنة، حتى إذا قضى السعدون وطره في الحكم، ونال الاستعمار منه مآربه، اختلفوا معه في قضايا خاصة واظهروا سخطهم عليه، ثم غدروا به وقتلوه في المجلس بطريقة ملتوية كما هي عادتهم، ثم أشاعوا: أن القاتل هو نفس عبد المحسن، وقد انتحر باطلاق الرصاص على نفسه، وتغطية على خيانتهم أخذوا يمدحونه جهراً، ويثنون عليه علانية، وأوعزوا إلى عملائهم الآخرين أن يقيموا الحداد على روحه، وأن يؤبنوه، حتى قال بعضهم: يقتلونه ثم يقيمون له الفاتحة، وقال بعضهم في عبارة أخرى أيضاً وبحسب ما كان متعارفاً من غدر العفالقة البعثيين: يقتلونه بالليل ويقيمون له الفاتحة بالنهار، وللتمويه الأكثر نصبوا تمثال السعدون في أحد شوارع بغداد ـ وقد رأيته أنا بنفسي ـ وصار الشارع بعد ذلك يسمى بشارع السعدون، كما انه كان لهم تمثال آخر يعرف بتمثال (مود) [11] وهو ضابط بريطاني تم على يديه فتح بغداد، وكان هذان التمثالان موجودين في بغداد إلى حين خروجنا من العراق ولا أعلم بعده هل بقيا موجودين أم هدموهما وأزالوهما عن الوجود؟

[1] ـ للتفصيل انظر كتاب (تلك الأيام) و (حياتنا قبل نصف قرن) و (بقايا من حضارة الإسلام كما رأيت) للإمام الراحل (قدس سره).

[2] ـ آية الله العظمى السيد الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي (رحمه الله) ولد في كربلاء المقدسة (1304هـ)، كان عالماً تقياً، ورعاً عابداً، زاهداً كثير الحفظ، جيد الخط، وكان صاحب كرامات، وهو (ره) من خيرة تلامذة الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي (قائد ثورة العشرين في العراق)، توفي في (28 شعبان عام 1380هـ) ودفن في الحرم الحسيني الشريف.

[3] ـ نسبة إلى ميشيل عفلق أحد مؤسسي حزب البعث الحاكم في العراق (1910-1989م) ولد بدمشق وقُبر ببغداد.

[4] ـ ياسين الهاشمي رئيس وزراء العراق عدة مرات، ولد سنة 1884م في مدينة بغداد، التحـق بالكلية العسكرية في استنبول، كان من أعوان فيصل الأول حيث عينه رئيساً للأركان فـي سوريا أيام حكومة فيصل هناك، وبعد تعيينه رئيسا للوزراء زار المس بيل وصافحها وقال لها: نريد معونتكم ومعونتُكِ أنت بوجه خاص. أنظر كتاب أعلام السياسة في العراق: ص101-102. وتقول المس بيل في احدى رسائلها: اعتقد أن ياسين رجل القَـدَر. التجأ إلى سوريا ولبنان ومات عام 1937م ودفن إلى جوار صلاح الدين الأيوبي. أطلق عليه لقب أتاتورك العراق لقساوته وعنفه وطغيانه، وتكفـل بمهمة تصفية الحوزات العلمية في العراق، فطارد رجال الدين وقتل بعضهم ونفى البعض الآخر ومنع إجراء مراسم الشعائر الحسينية واستخدم العنف في تطبيق التجنيد الإلزامي.

[5] ـ عبد المحسن السعدون (1879 ـ 1929م) سياسي عراقي، ولد في مدينة الناصرية جنوبي العراق، من الأسر التي حكمت مقاطعة المنتفك (منطقة واسعة تقع في الشمال الغربي للبصرة)، الأمر الذي أهله للإلتحاق بمدرسة العشائر في استانبول قبل أن يبلغ الثالثة عشرة من عمره، وبعد تخرجه اختاره السلطان عبد الحميد الثاني مرافقاً له مع أخيه.

وعند احتلال بريطانيا للعراق حظي السعدون ـ بحكم ماضيه ومحتده ـ رضا الإنجليز، فعين وزيراً للعدل في الوزارة النقيبية الثانية، وعين وزيرا للداخلية عام 1927م ولعب دوراً ملحوظا في تمرير المعاهدة مع الإنجليز والوقوف في وجه المعارضة الوطنية وعلى الأخص معارضة رجال الدين، فشكل الوزارة في العام نفسه (1922م).

عارضه رجال الدين بشدة لسياساته وبدعم الملك والإنجليز أحبط النفوذ السياسي لرجال الدين عبر إجراءات تعسفية وإرهابية. رفع عدد أفراد الجيش لتقوية سلطة الدولة ضد الأكراد في الشمال والعشائر في الوسط والجنوب. عرفت سياساته بالتوافق مع الإنجليز في مطالبهم، رغم إظهار بعض الاعتراض عليهم ولكنه مايلبث أن يلبي مطاليبهم في النهاية. مات منتحراً في 13/ 11/1929م. انظر الموسوعة السياسية: ج3 ص854 حرف «ع».

[6] ـ عبد الكريم قاسم محمد بكر الزبيدي من مواليد (1914م) بغداد، التحق بالكلية العسكرية في عام (1932م). شارك في حرب فلسطين عام (1948م) في جبهة الأردن، انتمى لتنظيم الضباط الأحرار عام (1956م). قام بانقلاب عسكري عام (1377هـ ـ 1958م)، أطاح بالحكم الملكي، قتل أغلب أفراد العائلة الملكية بما فيهم الملك فيصل الثاني، أعلن الحكم الجمهوري. ألغى المظاهر الديمقراطية كالبرلمان والتعددية الحزبية ما عدا الحزب الشيوعي الذي أضحى الحزب المحبب للسلطة، وألغى الحكم المدني. استمر حكمه قرابة أربع سنوات ونصف تقريباً. تعرض في عام (1963م) لانقلاب عسكري دبره عبد السلام عارف مع مجموعة من الضبّـاط البعثيين أمثال أحمـد حسن البكر وعبد الكريم فرحان وصالح مهدي عمّاش وغيرهم، أعدم رميا بالرصاص مع بعض رفاقه في دار الإذاعة في التاسع من شباط 1963م. للمزيد راجع كتاب عبد الكريم قاسم البداية والسقوط.

[7] ـ سورة الحجرات: 10.

[8] ـ سورة الأنبياء: 92.

[9] ـ سورة الحجرات: 13.

[10] ـ معدن الجواهر: ص21.

[11] ـ الجنرال (ستانلي مود) قائد الجيش البريطاني الذي احتل العراق وتحديداً بغداد، وذلك في تاريخ 11/آذار/ 1917م الموافق 1335هـ، صاحب مقولة: إن جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء بل بمنزلة محررين، انظر كتاب (الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920م).