الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

مشهد رؤوس الشهداء

هناك في أرض سوريا، وهي من الأراضي التي قال القرآن الحكيم فيها: ((باركنا حوله)) [1] عدة مزارات لأهل البيت (عليهم السلام):

منها: في دمشق كمزار السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليه السلام).

ومنها: في ضاحية دمشق كمزار السيدة زينب (عليها السلام).

ومنها: في حلب وضواحيها كمزار محسن السقط ابن الإمام الحسين (عليه السلام)، ومشهد النقطة.

ولهذه المزارات العظيمة، آثار كبيرة، وبركات كثيرة، اعترف بها المؤالف والمخالف، والداني والقاصي، والقصة التالية من مزار مشهد رؤوس الشهداء الواقع في دمشق في مقبرة الباب الصغير.

نقل لي أحد الأصدقاء عن سادن الروضة المباركة للسيدة زينب(عليها السلام) عن سادن روضة مشهد رؤوس الشهداء (عليهم السلام) في دمشق ويدعى: السيد رشيد، انه قال: احتاج مشهد رؤوس الشهداء إلى بعض الترميمات، فرأينا أحد المعمارين[2] ليقوم بذلك، وكان هذا المعمار مسيحياً، فان في دمشق مسيحيين يقطنون إلى هذا اليوم، ولهم مهن مختلفة ومنهم كان هذا المعمار الذي يشرف على عمل البناء.

بدأ هذا المعمار عمله وأخذ في ترميم المشهد المقدس، وما أن استمر على عمله في بضعة أيام إلا وترك العمل، معلناً للسيد رشيد سادن المشهد بانه قد ترك العمل، وانه غير مستعد لتكميله، فتعجب السيد رشيد من ذلك وأصرّ عليه بان يرجع إلى عمله حتى يتمّه، ولا يتركه بغير إتمام.

فلم يستجب المعمار للسيد رشيد، وبقي مصراً على رفضه.

فقال له السيد رشيد: انك حسب معرفتي بك، إنسان وفي، تفي بما وعدت، وقد وعدتني أن تقوم بترميم المشهد المقدس حسب الأجرة التي توافقنا عليها، فتركك العمل بلا إتمام خلاف الوفاء.

وهنا لما سمع المعمار المسيحي هذا الكلام من السيد رشيد قال: لقد أحرجتني إلى التصريح بالسبب الذي من أجله تركت العمل، واضطررت إلى عدم الوفاء بما توافقنا عليه وهو: أني أحسست يا سيد رشيد الخطر على ديني واعتقادي بالمسيحية من جراء عملي في مشهد الرؤوس.

قال السيد رشيد وبتعجب: وكيف أحسست بالخطر على دينك؟

قال: لقد كنت مشتغلاً بعملي، وفي الأثناء وقع نظري إلى السرداب الذي فيه الرؤوس، فأمعنت النظر إليها فرأيتها غضة طرية، والدم العبيط يفور منها، وكأنها فصلت عن أبدانها الساعة، مع العلم أنها قد فصلت عن أبدانها قبل أكثر من ألف عام كما هو المعروف في التاريخ.

ثم أضاف قائلاً: وبقاء الرؤوس طرية لم يأكلها التراب ولم يغير محاسنها طول الزمان والمدة مما يدل على أن هؤلاء الشهداء لهم مقام كبير عند الله وانهم على حق، وان ما يقوله المسلمون هو الصحيح، وان القرآن والإسلام ونبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) هو الحق، وهو يتنافى مع اعتقادي بالمسيحية، وان الدين المسيحي والمسيح هو الحق، وقد زلزلتني هذه القصة في عقيدتي بالمسيحية، ولذلك عزمت على ترك العمل، والتحقيق حول الإسلام، حتى أتأكد من صحة دين الإسلام ونسخ دين المسيح، وأرى بعد ذلك رأيي في اختيار الإسلام أو البقاء على المسيحية.

قال له السيد رشيد عند ذلك وبكل وجوده: إذن: فالذي تحسه خطراً على دينك قد حصل لك على كل حال، والتحقيق حول الإسلام وان كان بحاجة إلى بذل جهد ووقت، لكنه لا يتنافى مع مواصلة عملك وإكمال الترميم الذي توافقنا عليه معاً لأن التحقيق شيء والترميم شيء آخر لا يرتبطان بعضهما ببعض، وعليه: فالمطلوب لك التحقيق والترميم معاً.

قال المعمار بعد كل ما جرى من الكلام وإصرار السيد على الاستمرار: إني قد عزمت على ترك العمل، ولست مستعداً بعد ذلك لإكماله وإتمامه.

عندها أعطاه السيد رشيد ما يستحقه من الأجرة، وتنازل عن إصراره عليه بمواصلة عمله.

ثم رأى السيد رشيد بعد ذلك معماراً آخر ليكمل البناء، ويتم ما يلزم ترميمه من المشهد المبارك.

مشهد المحسن بن الإمام الحسين (عليهما السلام)

كان لي أحد الأصدقاء القدامى ويدعى: الشيخ إبراهيم الضرير، وقد عمّر طويلاً وتجاوز عمره على المائة عام، وكان هو من البلاد السورية ويعيش في مدينة حلب، وكان يقيم صلاة الجماعة في حلب في مشهد المحسن السقط ابن الإمام الحسين (عليه السلام) المعروف هناك باسم: (شيخ محسن)، فقال لي:

إنه ـ وفي قصة ـ ظهر بدن المحسن ابن الإمام الحسين (عليه السلام) الذي استشهد قبل أكثر من ألف سنة بسقوطه وهو حمل في بطن أمه، كما استشهد عمه الذي سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في بطن أمه محسناً، بسقوطه وهو حمل في بطن أمه فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) ظهر البدن وهو غض طري، كأنه استشهد الآن، وكأنه سقط من بطن أمه لتوّه، ورآه كثير من الناس، وأيقنوا بكرامة هذا البيت الطاهر على الله تعالى، وعرفوا أن ذلك معجزة لهم (عليه السلام) ثم كفنوه وأرجعوه إلى ضريحه ومرقده، وبنوا عليه قبة، وأشادوا حوله حرماً ومسجداً، وهو إلى اليوم مزار للمسلمين، يقصدونه من كل حدب وصوب.

مشهد النقطة

وهناك في مدينة حلب، وفي جوار مشهد المحسن بن الإمام الحسين (عليه السلام) مشهد آخر يقصده الزائرون من كل مكان ويشدّ الوافدون إليه الرحال من أقصى الأرض وأدناها، ويعرف باسم: (مشهد النقطة).

ويقال له مشهد النقطة، لأن في هذا المشهد المبارك صخرة عليها نقطة دم من دماء رأس الإمام الحسين (عليه السلام) الذي استشهد في كربلاء على يدي بني أمية، وقد أمر بنو أمية بحمل الرؤوس إلى الشام فمروا بها في طريقهم إلى دمشق بضواحي مدينة حلب، وهنا وفي المنقطة المعينة وهي منطقة جبلية في غربي حلب وفي إحدى مرتفعاتها ويعرف بجبل الجوشن أو جبل النحاس، أسقطت أم المحسن جنينها محسناً من شدة ما أصابها من وعثاء الطريق ووعورة المنطقة وصعوبة المراكب وعري النياق، وفيها أنزلوهم لدفن السقط محسناً، ووضعوا رأس الإمام الحسين (عليه السلام) في المنطقة نفسها على صخرة كانت هناك، فسقط على الصخرة نقطة دم من الرأس الشريف، فصار يفور الدم فيها، وظهرت بذلك معجزة الإمام الحسين (عليه السلام) على هذه الصخرة، فاتخذ سيف الدولة الحمداني حولها صندوقاً وضريحاً وشيد عليها قبة وبنى حولها مسجداً.

وقد ذكر الشيخ إبراهيم(رحمه الله): عندما كانت الحرب قائمة بين الغرب بزعامة البريطانيين من جهة والمسلمين بقيادة العثمانيين من جهة، جعلوا مشهد المحسن ابن الإمام الحسين (عليه السلام) مخزناً للعتاد ومستودعاً للذخيرة والسلاح، واستفادوا من المشهد الشريف استفادة غير مشروعة حيث جعلوها نقطة عسكرية، مع انها كانت مركزاً للعبادة والزيارة.

ثم إنهم لما استخدموا المشهد الشريف مخزناً للعتاد ومستودعاً للذخيرة والسلاح اتفق أن العتاد الموجود في المشهد انفجر وهدم المشهد الشريف، فذكر عن الشيخ محمد دحدوح، وكان من علماء حلب عن والده: أنه لما تعرض المشهد للانفجار الرهيب الذي هدم المبنى المبارك، نقلوا الصخرة المقدسة إلى جامع زكريا (عليه السلام) فلما وضعوها هناك صارت الصخرة تهتز وترتجف ولم يكن لها استقرار، فعرفوا من ذلك أن الصخرة تأبى أن توضع هنا، فغيروا مكانها فلم تستقر، فاقترح بعضهم على أن توضع الصخرة على دابة، وتترك لتسير وحدها، ففعلوا ذلك فسار ذلك الحيوان وهم يتبعونه، حتى إذا وصل إلى مقام المحسن ابن الإمام الحسين (عليه السلام) توقف أمامه، ففهموا من ذلك أن دم الإمام الحسين (عليه السلام) على الصخرة حنّ إلى ولده، وجاءوا بالصخرة ووضعوها هناك فاستقرت، إلى أن تم بناء مشهد النقطة ونقلت الصخرة إلى مكانها ولازالت هناك يقصدها المؤمنون للزيارة ويدعون الله عزوجل فتقضى حوائجهم.

قصص من مزارات العراق

مشهد العباس (عليه السلام)

نقل لي والد زوجتي الحاج صالح معاش (رحمة الله عليه) وكان من الرجال الأخيار، ويسكن في كربلاء المقدسة القصة التالية قائلاً:

إن في الأيام الأخيرة من الحكم العثماني، وقبل احتلال البريطانيين للعراق، أرسل العثمانيون جيشاً ضخماً مؤلفاً من الجنود الأتراك لإبادة كربلاء وقتل أهلها.

فلما جاء الجيش إلى كربلاء ودخلوا المدينة، دخولها من الجهة الشمالية أي: من جهة باب بغداد لأنهم أتوا من بغداد، وكان أول ما يلاقيهم في طريقهم هو مشهد العباس (عليه السلام).

فدخل الجيش التركي المدينة على حين غفلة من أهلها، علماً بأن الأهالي كانوا لا يطيقون مقاومتهم والوقوف في وجههم، ولذلك التجأوا إلى مشهد أبي الفضل العباس (عليه السلام) وتوسّلوا به إلى الله تعالى ليدفع عنهم شر الأتراك، وبينما هم كذلك، والجيش يزحف داخل كربلاء لينفذ خطته السوداء، إذا بنار ملتهبة تخرج من جهة القبة المنورة لروضة أبي الفضل العباس (عليه السلام) وتحيط بالأتراك، فينهزم الأتراك وكأنهم يرون أبا الفضل العباس (عليه السلام) قد كرّ عليهم بسيفه.

نعم أخذ الأتراك ينهزمون ويفرّون من كربلاء باتجاه باب بغداد، أي بالاتجاه الذي أتوا منه وهم يصيحون باللغة التركية ويقولون: «إمام عباس كلدي» يعني: كر علينا العباس (عليه السلام) بنفسه، والسنة يحترمون العباس ويخافون منه، ويطلقون عليه كلمة: الإمام.

قال العم الحاج صالح معاش وهو يواصل حديثه: لقد رأيت النار التي خرجت من جهة القبة المنورة لروضة العباس (عليه السلام) ورآها الجميع أيضاً، وشاع خبرها في كل مكان.

وهكذا كان ولا زال أبو الفضل العباس (عليه السلام) يحمي الدخيل، ويأوي النزيل، ولا يخيب أمل الذين لجأوا إلى روضته، ولاذوا بحرمه، ويدافع عن مجاوريه وأهل بلدته، فقد هزم جيش الأتراك، ولم يدعهم يمسّوا كربلاء وأهلها بسوء أبداً.

في روضة أبي الفضل (عليه السلام)

كان لي صديق من العلماء في كربلاء المقدسة يعرف بالشيخ التوكلي، وهو اليوم من علماء قم المقدسة، وقد ذكر لي القصة التالية وقال:

ذهبت في يوم من الأيام لزيارة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، فلما دخلت إلى الروضة المباركة، إذا بي أرى الناس يفرون نحو الباب، فتعجبت وسألت عن الخبر.

فقالوا: أنظر داخل الروضة وبقرب الضريح.

فنظرت ورأيت امرأة قد انشدّت بالضريح بقوة، وقد شوّر بها أبو الفضل العباس (عليه السلام) لأنها كانت قد اتهمت بالخيانة، فانكرت، فجعلوا الحكم للعباس(عليه السلام) والحلف عنده، فحلفت به كذباً وزوراً، فأصابها ما أصابها، ثم انفكّت من الضريح وابتعدت عنه قليلاً، وإذا بها وللمرة الثانية قد انشدت واندكت بقوة على الضريح، ثم انفكّت من الضريح مرة أخرى حتى إذا ابتعدت عنه خطوات اندكت وبشدة للمرة الثالثة على الضريح، كل ذلك وهي تصرخ وتصيح، والناس قد امتلؤوا رعباً، وهم يفرون من شدة رعبهم، وفي المرة الأخيرة عندما اندكت بالضريح وبكل شدة، صرخت صراخاً عالياً ووقعت مغشياً عليها، عندها جاءها أهلها وذووها، وجرّوها إلى خارج الروضة المباركة ووضعوها في إحدى الحجرات المحيطة بالصحن الشريف، فماتت هناك.

ثم أضاف الشيخ قائلاً وهو منفعل بالقصة، وكأنه يشاهد المنظر الرهيب الذي قصه علينا عن قرب: وإني أيضاً كبقية الزائرين لم أتمالك نفسي من شدة الرعب الذي داهمني من هيبة القضية، ولم أستطع أن أبقى متفرجاً على الحادث، بل خرجت وبسرعة تامة من الروضة العباسية المباركة وأنا أرتجف خوفاً، وارتعش رعباً.

في حرم الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)

ينقل أحد علمائنا الكبار وهو النراقي (قدس سره) [3] في بعض كتبه القصة التالية قائلاً:

سافرت ذات مرة إلى العتبات المقدسة، وفي الكاظمية تشرفت بزيارة الإمامين الهمامين: الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) والإمام محمد بن علي الجواد(عليه السلام)، وعندما كنت في الروضة المباركة مشتغلاً بقراءة الزيارة المأثورة، إذا بجماعة متنازعين دخلوا إلى الروضة، ثم قدموا امرأة من بينهم نحو الضريح لتحلف على براءتها، لأنها كانت متهمة بالخيانة وقد أنكرت، فجاء أحد خدمة الروضة وحذّرها من أن تحلف كاذبة أشد التحذير، ثم قال لها: احلفي هكذا، وعلمها كيفية الحلف، فلما حلفت إذا بها ترتفع عن الأرض عدة أذرع ثم تضرب وبكل قوة على الأرض ضرباً عنيفاً، ثم ارتفعت مرة ثانية عن الأرض وبقدر تلك المرة وضربت للمرة الثانية أيضاً ضرباً قاسياً على الأرض بحيث غشي عليها، وانخمد صوتها بعدما كانت تصرخ في كل مرة صراخاً عالياً، وتصيح صيحة منكرة.

عندها تبين لأهلها وللناس جميعاً انها كانت كاذبة في حلفها، فجاءوا إليها وأخذوها إلى خارج الحرم.

يقول النراقي (قدس سره) تأثرت من هذه القصة تأثراً بالغاً، وسألت عن مصير المرأة وعاقبتها فتبين أنها قد ماتت في اليوم الثاني من قصتها.

عند سبع الدجيل: السيد محمد(عليه السلام) [4]

إن السيد محمد(عليه السلام) المعروف عند العراقيين بسبع الدجيل، هو ابن الإمام علي الهادي (عليه السلام)، وله مزار مشهور في قضاء (بلد) ويقع في منتصف الطريق بين الكاظمية وسامراء، وبالقرب من ناحية (الدجيل) التي قد أبادها الطاغية صدام عندما تعرض فيها لحادث اغتيال.

وكيف كان: فالسيد محمد المعروف بالفضل والجلال، وبما يبديه من الكرامات الخارقة للعادات، ويتشرف بزيارته كثير من الناس، وينذرون له النذور، ويهدون إليه الهدايا الكثيرة، ويسألون الله عنده وبحقه حوائجهم، والعرب في تلك المنقطة تهابه وتخشاه، وتحسب له حساباً خاصاً.

إنه(عليه السلام) كان عظيم المنزلة عند الله، كبير المقام عند الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) حتى انه لما توفي شق عليه أخوه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) جيبه في عزائه.

ولقد نقل لي السيد الوالد (قدس سره) القصة التالية في حق السيد محمد بن الإمام الهادي (عليه السلام) قائلاً:

كنت كثيراً ما أتشرف بزيارة السيد محمد(عليه السلام) وذلك أيام ما كنت مجاوراً للإمامين العسكريين (عليهما السلام) في سامراء المشرفة، وذات مرة وأنا داخل في الروضة المباركة، ومشتغل بالزيارة، إذا بأحد الزائرين وكان رجلاً جسيماً ووسيماً، صار في حالة شبيهة بالغيبوبة وبدأ يتكلم بأمور شبيهة بالغيب، مما يسمّي العرب هذه الحالة ويعبر عنها: (بأن السيد محمد صاح برأسه).

قال والدي (رحمه الله): فأخذ هذا الرجل يخاطب بعض الناس بأسمائهم ويقول: يا فلان لماذا جئتني وأنت مديون؟ ويقول لآخر: يا فلان لماذا لم تف بنذرك؟ ويقول لثالث: يا فلان أين الذبيحة التي عزمت على ذبحها عند مشهدي؟.

وأضاف والدي (رحمه الله) قائلاً: وكان في الروضة المباركة الخطيب الحسيني المشهور عبد علي النجفي، وإذا بالرجل المتكلم يخاطبه باسمه ويقول: وأنت أيها الشيخ الخطيب عبد علي، لماذا لم تأت بنذرك الشيء الكذائي؟ فما أن سمع الشيخ عبد علي بهذا الكلام من الرجل إلا وارتعدت فرائصه، ورجف قلبه، وخاف خوفاً كبيراً، لأنه كان قد نذر ذلك الشيء ثم تباطأ في أدائه.

عندها أقبل نحو الضريح بوجل، وأمسك الضريح بيديه وقال معتذراً: التوبة يا سيدي، التوبة يا سيدي، إني سآتي بنذري إليكم في أسرع وقت ممكن، ثم خرج من الروضة المباركة ليفي بنذره، وخرجت من ورائه، وقد ازددت بالسيد محمد ابن الإمام الهادي(عليه السلام) يقيناً، وله إخلاصاً ومودة.

نعم، لم تكن هذه الكرامة وأمثالها مختصة بالسيد محمد بن الإمام الهادي (عليه السلام)، وإنما هي وبصورة عامة مشهودة في كل المزارات المقدسة لأهل البيت (عليهم السلام) ولمن ينتمي إليهم من ذراريهم الصالحين، والكل يتحدث عن أمثال هذه الكرامات لمراقد أئمة البقيع (عليهم السلام) ولمرقد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولروضة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ولحائر الإمام الحسين (عليه السلام)، ولمراقد الأئمة (عليهم السلام) في الكاظمية وسامراء، ومشهد الإمام الرضا(عليه السلام)، رزقنا الله زيارتهم في الدنيا، وشفاعتهم في الآخرة، ومرافقتهم في الجنان، إن شاء الله تعالى.

مشهد أحمد بن هاشم

هناك مزار كريم، على بعد فراسخ من كربلاء المقدسة، وبالقرب من مدينة (شثاثا) [5] المعروفة، يعرف بمزار ومشهد (أحمد بن هاشم) وكان قد عين لزيارته وقتاً خاصاً وموسماً معيناً، يقصد فيه كثير من الناس لزيارته.

فذهبت ذات مرة بصحبة الخطيب الحسيني الشهير فضيلة الشيخ عبد الزهراء الكعبي (رحمه الله) مع من يذهب إلى زيارته وفي جملة الزائرين، فلما وصلنا إليه رأينا، أن مشهده المبارك في نقطة من أرض صحراوية جرداء، خالية من المباني والعمارات، وكان الزائرون مدة تواجدهم هناك للزيارة، يسكنون في خيام معدة هناك للزوار، وكانت الخيام كثيرة جداً، لأن الوفود التي كانت تأتي للزيارة كثيرة جداً، ومن كل أنحاء العراق، من البصرة والعمارة، ومن الديوانية وبغداد، ومن غيرها من البلدان الأخرى.

وكان الناس هناك يذبحون غالباً الذبائح من الخرفان وغيرها بكثرة ووفرة، وقد أهدوا إلينا شيئاً من اللحم أيضاً، وقالوا: إن الناس لهم حوائج فيوسّطون أحمد بن هاشم إلى الله تعالى في قضاء حوائجهم وينذرون له ذبيحة، فيقضي الله لهم حوائجهم فيأتون إليه لزيارته وللوفاء بنذرهم عنده، وهكذا تجري العادة في كل سنة وعام، ويقصده الزائرون من كل حدب وصوب.

ولقد تحققت في نسب هذا السيد الجليل أحمد بن هاشم، وفحصت عن شجرته العلوية، فرأيت أن نسبه الكريم ينتهي إلى السيد (إبراهيم المجاب) الذي هو ابن السيد محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) والذي هو مدفون في رواق من أروقة الروضة الحسينية المباركة، أي في الرواق الواقع إلى جهة الشمال الغربي من حرم الإمام الحسين (عليه السلام)، ويعود النسب بينه وبين جدّه الأعلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى أحد عشر ظهراً، واذا كان هذا حال النسب البعيد والذي يمتّ بأهل البيت (عليهم السلام) عبر إحدى عشرة واسطة، فكيف يكون النسب القريب، وأهل البيت (عليهم السلام) هم أنفسهم؟

روضة الحر بن يزيد الرياحي

إن الحر بن يزيد الرياحي (رضوان الله عليه) هو أحد شهداء كربلاء الذي استشهدوا بين يدي الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد اختار أن يكون من أوائل الشهداء الذين سقطوا على أرض كربلاء بإذن من الإمام الحسين (عليه السلام) لأنه كان هو أول من اعترض الإمام الحسين (عليه السلام) وسد عليه الطريق، وذلك في قصة معروفة[6].

وفي يوم عاشوراء وبعد أن استشهد الجميع، أمر ابن سعد بأن تفصل رؤوس الشهداء عن الأبدان وتجعل على الرماح لإهدائها إلى الكوفة والشام، كما وأمر بان تداس الأبدان الطاهرة بجرد الخيل، فسمعت عشيرة الحر وهم بنو رياح بذلك، وكان الحر كبيرهم وعميدهم فطلبوا من ابن سعد بأن يأذن لهم في إبعاد الحر من أرض المعركة ودفنه بعيداً عنها، فإذن لهم ابن سعد بذلك، فحملوه ودفنوه في مزاره المعروف حتى هذا اليوم.

نعم، إن الحر دفن على مسافة فرسخ واحد من كربلاء وعلى جهة المغرب، وله ضريح ومرقد، وقبة وروضة، وصحن واسع وكبير محيط بالروضة، ويزوره الزائرون من كل أطراف الدنيا، وليس من العراق فحسب، وينذرون له النذور ويوسطونه إلى الله تعالى في حوائجهم، فيقضي الله لهم حاجاتهم، وخاصة حاجة الشباب من أولاد وبنات، حيث كانوا يزورونه وينذرون له بصورة خاصة للتسريع في زواجهم، فتقضى حوائجهم، وكانوا يقرؤون عنده وعلى ضريحه المبارك أبياتاً من الشعر الشعبي الدارج، تفصح تلك الأبيات عن مرادهم ومكنونهم الذي هو: التسريع في أمر زواجهم[7].

من بركات مشهد السيدة زينب (عليها السلام)

عندما أنقذ الله تعالى أخي الشهيد آية الله السيد حسن من سجن العفالقة الرهيب، ومن التعذيب القاسي والوحشي الذي يمارسونه ضد الأبرياء، غادر العراق إلى سوريا ولبنان للمعالجة والاستجمام، وقام في سوريا بتأسيس الحوزة العلمية الزينبية، ومدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) في لبنان، وقد رأيت المدرسة في لبنان، كما زرت الحوزة العلمية الزينبية في سوريا أيضاً، وهي اليوم ولحين كتابتي هذه السطور، حوزة ناشطة وتضم المئات من رجال الدين والعلماء الأفاضل، علماً بأن في جوار السيدة زينب (عليها السلام) أكثر من ألف طالب بين متخرج ومشتغل.

وقد لاقى الأخ الشهيد في تأسيسها المصاعب الشديدة، والمضايقات الكثيرة، فإن المنطقة كانت في يوم من الأيام عاصمة الأمويين، وكان من الصعب جداً تأسيس حوزة علمية شيعية على طراز الحوزات العلمية المتعارفة في العراق وفي إيران.

نعم، لاقى الأخ الشهيد ما لاقى من المضايقات، وقد سجن الكثير من رجال الدين ودارت عليهم الدوائر من كل مكان، وضاقت على جميعهم الدنيا بما رحبت، وكان ثقل كل هذه المشاكل على عاتق الأخ الشهيد، ولما لم ير الشهيد منفذاً يمكنه مواصلة عمله من خلاله، كان يأتي إلى حرم السيدة زينب (عليها السلام) ويقف أمام ضريحها المبارك بخشوع ويطلب منها التوسط إلى الله تعالى في الفرج عنه وعن بقية أصدقائه وإخوانه من رجال الدين، والديمومة لمسيرة الحوزة التي تشرفت باسمها.

وما أن يرجع الأخ الشهيد من عند السيدة زينب (عليها السلام) إلا ويسمع بالفرج عن جميع إخوانه وأصدقائه، وبرفع المضايقات التي كانت موجهة عليهم وعلى الحوزة العلمية الزينبية.

السيدة زينب (عليها السلام) تغيث زائرها

نقل لي أحد الأصدقاء الذي تشرفوا بزيارة السيدة زينب (عليها السلام) القصة التالية قائلاً:

كنت في مشهد السيدة زينب (عليها السلام) مشغولاً بالزيارة إذ أتت امرأة عراقية تضجّ وتبكي، وتلتجئ وتتوسل بالسيدة زينب (عليها السلام) وتقول: يا سيدتي لقد سرقوا مالي، وليس لي مال أرجع به إلى بلدي، فما افعل وأنا في بلد غربة؟

كانت المرأة تكرر ذلك وهي تضج وتبكي، فأثارت بذلك رحمة الناس واهتمامهم بقضيتها، فجمعوا فيما بينهم مالاً محترماً وقدّموه لها، لكنها أبت أن تأخذ ذلك المال، وقالت: إني لا أريد إلا مالي، ولا أريد مالي إلا من السيدة زينب(عليها السلام)، ثم استمرت في ضجّتها وبكائها، ولم يستطع أحد تهدئتها، ولا إقناعها بأن تأخذ المال الذي جمعوه بينهم وقدّموه لها.

واصلت المرأة العراقية ضجتها وبكاءها، وبث همومها وحزنها للسيدة زينب (عليها السلام) وبينما هي كذلك وإذا بامرأة سورية دخلت الحرم وأقبلت نحوها وقدمت لها محفظة فيها مال وقالت: أليس هذا مالك؟

صرخت المرأة العراقية لما رأت المحفظة وهي تقول: نعم، إنها محفظتي، فهل المال موجود فيها؟

قالت: نعم إن المال موجود فيه، فعديه.

فأخذت المرأة محفظتها وفتحتها وبدأت تعد النقود التي كانت فيها، فما أن أتمت عدها حتى صاحت وهي فرحة: نعم، انه تام ولم ينقص منه شيء، ثم شكرت المرأة على ذلك، وبعدها تقدّمت نحو ضريح السيدة زينب (عليها السلام) وقالت: شكراً لك يا سيدتي يا بنت أمير المؤمنين، أشهد إنك نعم الملاذ ونعم الملجأ، فانه لا يخيب من رجاكم، ولا يضيع من لجأ إليكم.

عندها أقبل الناس على المرأة السورية وسألوها: كيف حصلت على المحفظة، ومن أين علمت بأن صاحبتها في الحرم الشريف؟

قالت: إن صاحبة المحفظة زائرة عراقية وقد نزلت عندنا في الفندق في دمشق، ولنا في الفندق خدم يقومون بخدمة الزائرين، فاتفق أن إحدى النساء الخادمات دخلت الغرفة على الزائرة العراقية لتقوم بخدمتها، فرأتها نائمة ورأت محفظتها إلى جانبها وفيها نقود، فوسوس لها الشيطان فأخذته وخرجت.

بقيت الخادمة التي أخذت مال الزائرة كاتمة لما فعلت ونحن لانعلم بها، حتى قبل ساعة، إذ جاءتني بالمحفظة وهي تبكي وتقول: سيدتي التوبة لقد وسوس الشيطان لي فأخذت محفظة الزائرة العراقية وما فيها من مال وكتمت أمري عن كل أحد، وقبل قليل أخذتني غفوة وإذا بي أرى في المنام السيدة زينب (عليها السلام) وهي تأمرني بإيصال المال إلى صاحبتها، الزائرة العراقية، وتقول لي السيدة (عليها السلام): هي الآن في روضتي وحرمي، فأسرعي في ردّها إليها ثم هددتني وتوعدتني فيما لو لم أفعل ما تأمرني به، فانتبهت من غفوتي مرعوبة خائفة، وجئتك بالمحفظة، فتداركي يا سيدتي حالي وأوصليه إلى صاحبتها في السيدة زينب (عليها السلام).

فأخذت أنا بنفسي المحفظة وجئت مسرعة من دمشق إلى السيدة زينب (عليها السلام) لأوصلها إلى صاحبتها، فأتيت ورأيت الأمر كما وصفت.

وهذه القصة العجيبة الدالة على كرامة السيدة زينب (عليها السلام) ومقامها الكبير عند الله، حدثت إبان كنا في سوريا مع والدي (قده) ونحن في طريقنا إلى حج بيت الله الحرام، وذلك قبل حوالي نصف قرن من الزمان تقريباً.

[1] ـ سورة الإسراء: 1.

[2] ـ المعمار هو المشرف على البناء.

[3] ـ هو المولى أحمد بن مهدي بن أبي ذر النراقي الكاشاني، ولد في قرية نراق بكاشان الإيرانية، سنة 1185هـ وأخذ مقدمات دروسه في النحو والصرف وغيرها في بلده حتى برع فيها، ثم قرأ الفقه والأصول والحكمة والكلام عند والده المولى النراقي، امتاز(رحمه الله) بحدة الذهن والذكاء الوقاد وهذا ما أهله لتسلم مراحل الفضل العلم بسرعة، رحل إلى العراق فحضر درس السيد محمد مهدي بحر العلوم والشيخ كاشف الغطاء، وقصد كربلاء فحضر درس السيد الطباطبائي صاحب الرياض، والميرزا الشهرستاني. انتهت إليه الرئاسة بعد وفاة والده حتى انه حضر درسه الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، توفي في نراق إثر الوباء الذي اجتاح تلك البلاد في عام 1245هـ فحمل إلى النجف الأشرف حيث دفن في الصحن العلوي الشريف بجانب والده جهة باب الطوسي. انظر مقدمة كتابه مستند الشيعة.

[4] ـ هو السيد محمد المكنى بأبي جعفر أكبر ولد الإمام الهادي (عليه السلام)، المعروف بجلالة القدر وعظم الشأن حتى زعم بعض الناس أنه الإمام من بعد أبيه، ولكنه توفي قبل أبيه (عليه السلام)، يقع مزاره قرب قضاء (بلد) والتي تبعد عن سامراء ثمانية فراسخ، وهو من أجلاء أولاد الأئمة (عليهم السلام) وصاحب كرامات شهيرة حتى عند أبناء العامة والأعراب، وله هيبة جليلة فإن الناس لا يحلفون به كاذباً ويقسمون بحقه لفصل النزاعات، يقول صاحب كتاب (النجم الثاقب): لقد رأينا مراراً أن المنكر لأموال شخص مثلاً إذا طلبوا منه القسم بأبي جعفر كان يرد المال ولا يقسم، وذلك لتجربتهم أن الكاذب لو حلف به يصيبه الضر.

[5] ـ وتعرف أيضاً بعين القمر، للتفصيل راجع موسوعة العتبات المقدسة: ج8 قسم كربلاء.

[6] ـ راجع اللهوف في قتلى الطفوف: ص61 مبارزة أصحاب الحسين (عليه السلام).

[7] ـ فكان يقول البعض على بساطته وعقيدته من الرجال:

يا حر اجيتك من وره***وأريد من عندك مره

وأما النساء فيرددن:

يا حر اجيتك بالحجل**وأريد من عندك رجل.