الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الفترة الأولى

 الأمويين والعباسيين

لقد مرّ التشيع بعد شهادة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بفترة عسيرة جداً، وذلك أيام حكم معاوية بن أبي سفيان، حيث وصل الحال فيها إلى محاولات اجتثاث التشيع، وذلك بقتل جميع من ينتسب إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أو يواليه أو يتبع طريقته. وبما أن حكم معاوية يتركز في الشام، فقد أرسل إلى العراق ـ وخصوصاً الكوفة لأنها كانت مركز التشيع في ذلك الوقت ـ بعض الحكام الظلمة مثل زياد بين أبيه والمغيرة بن شعبة، وأمثالهما، فساسوا أهل العراق بالظلم، وقتلوا عدداً كبيراً من الشيعة في العراق[1].

وكاد معاوية يقضي على الشيعة في العراق، لولا فطنة وذكاء أهل البيت (عليهم السلام) حيث أوحوا إلى شيعتهم باستخدام أسلوب التقية في العمل[2]. وفي هذه الفترة أصبح الشيعي محل اضطهاد من قبل أغلب حكام بني أمية، ولكن هذه الحالة لم تدم، ففي آخر عهد بني أمية ضعف سلطانهم، وأخذ الشيعة يعملون بصورة أوسع، ورفع عنهم الضغط بعض الشيء.

وعند مجيء حكام بني العباس إلى السلطة سمحوا للشيعة في البداية بالعمل بمذهبهم؛ وذلك لأن بني العباس لم يصلوا إلى الحكم إلا بشعار أخذ الثأر للإمام الحسين (عليه السلام) وآل علي من بني أمية.

نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العباسي

ففي هذه الفترة ـ فترة انتهاء حكم بني أمية ومجيء حكم بني العباس ـ عمل الشيعة على نطاق واسع من أجل نشر التشيع وقاموا بإنشاء المدارس لتدريس العلوم الدينية بجميع أنواعها، من فقه، وأصول، وعلم كلام، وتفسير وغيرها، على منهج أهل البيت (عليهم السلام)، وقد ضمّت حلقاتها آلاف الطلبة. وكل هذا كان مقارناً لزمن الإمام الصادق (عليه السلام). ولكن ذلك لم يدم طويلاً؛ إذ أحس بنو العباس بخطر العلويين؛ لأنهم كانوا يريدون الحكم من أجل الدنيا بينما أراد العلويون ـ وعلى رأسهم الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) ـ إقامة حكم الله على الأرض، ولم يكن يتماشى هذا مع رغبتهم الدنيوية والمادية ـ بني العباس ـ فعندها حاربوا العلويين وأشياعهم، وجميع من ينتمي إليهم بشتى الوسائل والطرق، حتى فاق ظلمهم ظلم بني أمية[3]. إلى أن خفّت حدّة الظلم والمطاردة للشيعة في عهد المأمون نسبياً، حيث فرض منصب ولاية العهد على الإمام الرضا (عليه السلام)، وذلك بمؤامرة من المأمون نفسه في قصة مفصلة في محلها[4]، ولكن لم تستمر هذه الفترة طويلاً، إذ عندما استشهد الإمام الرضا (عليه السلام) عاد الظلم والمجاهرة بالعداء لكل من ينتمي إلى آل محمد (عليهم السلام) وشيعتهم، وتجسد الظلم في زمن المتوكل العباسي بأبشع وأفظع صورة[5]، واستمرت الحالة على هذا المنوال حتى أخذ الحكام يقتلون الشيعي ويبيحون دمه وماله وجميع ممتلكاته، وأهون فترة مرّ بها الشيعة في حكم بني العباس هي فترة تولي (المنتصر لدين الله) الحكم، واستفاد الشيعة من هذه الحرية التي كانت في زمنه فأخذوا في نشر التشيع ولكن هذا الوضع لم يدم طويلاً، فعند وفاته عاد الظلم والقتل بحق أتباع مذهب آل البيت (عليهم السلام)، وهكذا كانت الأحوال تنقلب من حال إلى حال.

[1] ـ مثل حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وميثم التمار (رضوان الله عليهم) والحضرميين مسلم بن زيمر وعبد الله بن نجي، وكثير غيرهم من أصحاب الإمام علي (عليه السلام)، وكان أمر معاوية إلى ولاته هو: قتل كل من كان على دين علي ورأيه. أنظر كتاب سليم بن قيس الهلالي: ص321.

[2] ـ قال سماحة الإمام (قده) في كتاب (الشيعة والتشيع ص70 ط1): نعتقد بـ (التقية) في مواردها الشرعية، فإن التقية بمعناها الصحيح من تعاليم الإسلام، ومعناها وجوب حفظ الإنسان لنفسه وماله وعرضه ولنفوس سائر المسلمين وأموالهم وأعراضهم من الكفار والظالمين وقد أمر بذلك القرآن الحكيم والرسول العظيم والأئمة الطاهرون (عليهم السلام) ففي القرآن الحكيم قال تعالى: ((لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلا أن تتّقوا منهم تقاةً ويحذّركم الله نفسه وإلى الله المصير)) (سورة آل عمران: 28)، وقال سبحانه: ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) (سورة الحج: 78)، وقال عز وجل: ((من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) (سورة النحل: 106).

وراجع أيضاً: الكافي: ج2 ص217 باب التقية، ووسائل الشيعة: ج16 ص212 ب24 ح21384، ومشكاة الأنوار: ص40 فصل 11 في التقية، والصراط المستقيم: ج3 ص71 تذنيب بحث في التقية.

[3] ـ حتى قال أحد الشعراء:

تالله ما فعلت أميــه فيهم***معشار ما فعلت بنو العباس

أنظر ميمية أبي فراس: ص119.

[4] ـ راجع بحار الأنوار: ج49 ص128 ب13 ح3، وفيه يقول الإمام الرضا (عليه السلام)

ـ حين امتنع عن قبول الولاية من المأمون ـ: (.. تريد بذلك أن يقول الناس: إن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة... ).

[5] ـ راجع الشيعة والحاكمون: ص145-172 لمحمد جواد مغنية.