الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الفترة الثالثة

 ولاية الحكام الشيعة ولاية البويهيين

بزغ نجم آل بويه في فارس[1] في القرن الرابع الهجري، حيث استولت الدولة البويهية بعد ذلك على مقاليد الحكم في بغداد. وبما أن الدولة كانت دولة شيعية فقد أسست المدارس الدينية، وتم فيها تدريس أغلب العلوم الدينية، فدأب العلماء الشيعة في ذلك الوقت على نشر العلوم الدينية في جميع بقاع العالم، وخصوصاً المناطق المجاورة لبغداد، مثل الحلة والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وغيرها من المناطق العراقية. وقد برز الكثير من علماء الشيعة إبان ذلك العصر، مثل: الشيخ المفيد[2] والشريفين «الرضي[3] والمرتضى[4]» والشيخ الطوسي[5] (رحمهم الله)، وكان حلقات الدرس تنتقل فيما بينهم.

وبعد أيام البويهيين حدثت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة انتقل على أثرها شيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) بحوزته العلمية من بغداد إلى النجف الأشرف عام 448هـ، إذ لم تعد بغداد ترضى بمقام المرجعية الدينية فيها، وكما لم تعد صالحة أيضاً لاحتضان الحوزة العلمية بين ظهرانيها، فأضحى النجف الأشرف بعدها عاصمة ومركزاً لعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، ومقاماً ومستقراً لكبار علماء الشيعة ومراجعهم العظام (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين).

المغول والتشيع

وهكذا انقلبت الأحوال من حال إلى حال، حتى مجيء هولاكو[6] وغزوه بغداد، وإحداثه الدمار الشديد فيها، إلا أن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بقي ثابتاً صامداً رغم تلك الهزاهز والابتلاءات العظيمة، وحينما استتب الأمر لهولاكو وفرض سيطرته على بغداد تنفس أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) الصعداء، نتيجة لدخول بعض حكام المغول الإسلام ببركة جهود العلماء الكبار أمثال العلامة[7] وابنه[8] (رحمهما الله) وغيرهما ـ وإعلان إتباعهم لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ومن هؤلاء الحكام (نيقولاوس بن أرغون) وسمي بمحمد خدابنده[9]، وكذلك ابنه أبو سعيد بهادرخان، وبعضهم أسلم، ولكن لم يصرح بالتشيع، مثل غازان المسمى محمود[10]، وهو أخو محمد خدابنده، وبين من لم يطل عهده ليعلم حاله مثل تكوادر بن هولاكو المسمى بأحمد.

الدولة الجلائرية والتشيع

جلائر: وهي سلالة مغولية أنشأها حسن بزرك على أنقاض الإيلخانية، حكمت العراق من (740 إلى 813هـ) عاصمتها بغداد أشهر سلاطينها أويس وابنه أحمد، حكمت هذه الدولة العراق بعد رحيل المغول، وهي دولة شيعية بحتة، ولها بصمات واضحة على التشيع، وكان زعيم هذه الدولة (حسن الجلائري) وهو من أمراء المغول وان لم يكن مغولي الأصل، وقد استمر في حكم العراق فترة من الزمن، وجاء بعده ولده وحكم العراق، وتعاقبت على حكم العراق مجموعة من أفراد هذه العائلة، وفي عام 767هـ بنى أحد أولاد حسن الجلائري الحرم الحسيني القائم اليوم.

الدولة الصفوية[11] والتشيع

لقد سجل التاريخ لهذه الدولة خدمات جليلة في انتشار مذهب التشيع في العراق وإيران وجميع المناطق المجاورة، وهي دولة علوية شيعية حكمت العراق في عام (910هـ)، وأول من استولى على حكم العراق من الصفويين هو الشاه (إسماعيل الأول)، وقد دارت بينه وبين العثمانيين معارك ضارية؛ وذلك لطمع العثمانيين في السيطرة على العراق، فانتصر العثمانيون على الدولة الصفوية عام (941هـ) أيام الشاه (طهماسب الأول) ثم عاد الصفويون وحكموا العراق ثانية في عام (1032هـ)، وكان ذلك على يد الشاه عباس الأول، ثم عاد العراق تحت السيطرة العثمانية في عام (1045هـ) وحكم مرادخان الرابع العراق بعد الصلح الذي تم بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية، وشرط الصفويون على الدولة العثمانية بموجب هذا الصلح أن تحكم الدولة العثمانية العراق دون التعرض للشيعة والعتبات المقدسة. ولكن بعدما استقر الحكم للدولة العثمانية نكثوا عهدهم، فحاربت التشيع في جميع أرجاء العراق، وذلك بتحريض من بعض الحاقدين على مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، خاصة وان العثمانيين كانوا يتبعون سياسة طائفية شديدة التعصب لأهل السنة والجماعة.

الدولة العثمانية[12] والتشيع

بعدما سيطرت الدولة العثمانية على مقاليد الحكم، تغير حال الشيعة في العراق عما كانوا عليه في زمن الدولة الصفوية، فلقد عاد الظلم والاضطهاد، وأصبح كل من ينتمي إلى أهل البيت (عليهم السلام) ويعرف بأنه من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) معرضاً للقتل والتشريد، وبجميع أصناف التعذيب الأخرى.

كان المذهب الرسمي في الدولة العثمانية هو المذهب الحنفي، ولم يكتفوا في جعله فوق المذاهب بأسرها، بل عمدوا إلى ضرب المذاهب الأخرى، وخصوصاً المذهب الشيعي.

وسعوا إلى نشر المذهب الحنفي بأسلوب الترغيب والترهيب في جميع أرجاء العراق، حيث كانوا ينشرونه بصورة سرية في المناطق الجنوبية من العراق وفي العتبات المقدسة، والتي كان كل سكانها من الشيعة إلا ما ندر، كما قاموا بنشر مذهبهم وبصورة علنية في شمال العراق، وبعض المناطق التي يكثر فيها السنة.

ونتيجة لمقاومة الشيعة الشديدة، وقوة نفوذهم وتأثيرهم أُجبر بعض الأمراء الأتراك على مسالمة الشيعة، فقد أجروا بعض التعديلات والتعميرات في العتبات المقدسة، وزارها بعض ولاتهم.

والجدير بالذكر هنا أن بعض المؤرخين قال: أن الشيعة لاقوا من العرب ـ من السنة الذين كانوا تحت حكم الدولة العثمانية ـ الحاقدين على التشيع، وعلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، أكثر مما لاقوه من الحكام الأتراك أنفسهم، وقد اثبت التاريخ حينما رحل الترك عن العراق فان الأوضاع المأساوية ظلت على ما هي عليه إن لم نقل أنها تفاقمت[13].

[1] ـ تأسست الدولة البويهية على يد علي بن بويه الملقب بعماد الدولة في شيراز في بلاد إيران عام (321هـ) ثم امتد حكمها إلى كل إيران والعراق وجزء من تركيا وغيرها من بلاد بني العباس، وكان آخر ملوك البويهيين أبو نصر الملقب بالملك الرحيم وبه انتهى حكم الدولة البويهية الشيعية سنة (474هـ)، والذي امتد 153 سنة، نقلاً عن كتاب تجارب محمد جواد مغنية بقلمه: ص252 بتصرف.

[2] ـ هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري الملقب بالشيخ المفيد، من أجل مشايخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، فضله أشهر من أن يوصف، انتهت رياسة الإمامة إليه في وقته، ولد (رحمه الله) سنة (336هـ) وتوفي (رحمه الله) (413هـ) دفن في داره ونقل إلى مقابر قريش بالقرب من جانب رجلي الإمام الجواد (عليه السلام) إلى جنب قبر الشيخ الصدوق (رحمه الله)، له تصانيف عديدة منها: الرسالة المقنعة، والأركان في دعائم الدين، والإيضاح في الإمامة، والإرشاد، والإفصاح، والعيون والمحاسن. يقول عنه الشيخ الطوسي (رحمه الله): وكان يوم وفاته يوماً لم يُر أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه، وكثرة البكاء من المخالف له ومن المؤالف.

راجع روضات الجنات: ج6 ص153 الرقم 576.

[3] ـ هو الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد المولود سنة (359هـ) المتوفى سنة (406هـ) جامع كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب نهج البلاغة.

[4] ـ هو سيد علماء الأمة ومحيي آثار الأئمة ذو المجدين أبو القاسم علي بن الحسين ابن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) المشهور بالسيد المرتضى، وبعلم الهدى، جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، له تصانيف مشهورة منها: الشافي في الإمامة وكتاب الطيف والخيال وكتاب الغرر والدرر، وله ديوان شعر يزيد على عشرين ألف بيت، وهو أخ السيد الشريف الرضي.

ولد (رحمه الله) سنة (355هـ) وتوفي سنة (433هـ) ودفن إلى جوار جده أبو عبد الله الحسين (عليه السلام). وقيل أنه (رحمه الله) خلف بعد وفاته (80 ألف مجلداً) من مقروآته ومصنفاته ومحفوظاته، أنظر الكنى والألقاب: ج2 ص482 (علم الهدى).

[5] ـ هو المحقق المتكلم الحكيم المتبحر الجليل، محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (قده) صاحب كتاب تجريد العقائد، وكتاب التذكرة النصيرية، وكتاب تحرير أقليدس وتحرير المجسطي وشرح الإشارات والفصول النصيرية والفرائض النصيرية والاخلاق الناصرية وكثير غيرها، ولد (رحمه الله) بمشهد طوس في سنة (597هـ)، وتوفي في سنة (672هـ) ودفن في مقابر قريش في الكاظمية. أنظر روضات الجنات: ج6 ص300 باب ما أوله الميم.

[6] ـ هولاكو (نحو 1217ـ1265م) مغولي مؤسس دولة المغول الإيلخانية في إيران سنة (1251م) حفيد جنكيز خان، أخضع أمراء الفرس والإسماعيلية في قلعة (الموت) (1256م)، قضى على الخلافة العباسية في بغداد (1258م) واحتل سورية. هاجم المماليك جيشه في عين جالوت وأبادوه (1260م). أنظر المنجد في الأعلام حرف (الهاء).

[7] ـ الحسن ويقال الحسين بن يوسف ابن علي بن المطهر الحلي ويعرف بالعلامة (648هـ/726هـ)، من أئمة الشيعة وأحد كبار العلماء نسبته إلى مدينة الحلة في العراق وفيها مولده ومسكنه ومدفنه له كتب كثيرة منها: تبصرة المتعلمين في أحكام الدين، وتهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول، والأحكام في معرفة الحلال والحرام، ومختلف الشيعة في أحكام الشريعة، وأنوار الملكوت في شرح الياقوت.

أنظر روضات الجنات: ج2 ص268 بالرقم (198).

[8] ـ هو محمد فخر المحققين بن حسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي فقيه أصولي متكلم ولد سنة (682هـ) وتوفي سنة (771هـ) من آثاره: نهج المسترشد في أصول الدين، وجامع الفوائد في الفقيه، والكافية في علم الكلام، وغاية البادي في شرح المبادي وغيره.

أنظر روضات الجنات: ج6 ص330 بالرقم 591.

[9] ـ محمد خدابنده الذي استبصر على يد العلامة الحلي (رحمه الله) في قصة مشهورة، وذلك عندما طلق هذا السلطان زوجته ثلاثاً وأجمع علماء المذاهب على وجوب المحلل، ثم جاء العلامة الحلي (رحمه الله) وبعد مباحثات مع علماء العامة وإقامة الأدلة الدامغة عليهم، حتى أسفرت تلك المباحثة عن تشيع السلطان وأكثر من معه، وقد ذكر هذه الحادثة العلامة المجلسي (رحمه الله) في (روضة المتقين). راجع إيضاح الاشتباه للعلامة الحلي: ص43.

[10] ـ محمود غازان (1271 ـ 1304م) سلطان إيلخاني سنة (1295م) فرض الإسلام ديناً للدولة شجع الأدباء، له آثار عمرانية في تبريز، خلف أخوه. راجع المنجد في الاعلام: حرف (غ).

[11] ـ الصفويون سلالة ملكت إيران (1501 ـ 1736م) أسس الدولة إسماعيل الأول. قهر الأق قيونلو واتخذ تبريز عاصمة وتلقب بالشاه، وأعلن التشيع مذهب الدولة، نقل العاصمة إلى قزوين (1555م) طهماسب الأول، ثم نقل عباس الأول الكبير إلى أصفهان. انظر المنجد في الاعلام: حرف (صَ) الصفويون.

[12] ـ العثمانيون سلالة السلاطين الأتراك أسسها عثمان الأول سنة (1281م) نشأت في الأناضول على أنقاض الدولة السلجوقية ومدّت سلطتها إلى البلقان والدول العربية وإفريقية. احتل محمد الفاتح القسطنطينية (1453م) وجعلها عاصمته وقضى على البيزنطيين. أنهى سليم الأول حكم المماليك وسيطر على سورية وفلسطين ومصر عام (1516م) وخلفه ابنه سليمان القانوني فوطد أركان دولته على البلاد العربية والإسلامية حتى إفريقية. وبلغت الدولة في عهده أوج قوتها، تحالف العثمانيون والألمان في الحرب العالمية الأولى وأدى انهزام الألمان في الحرب إلى تفكك الإمبراطورية العثمانية وإعلان الجمهورية التركية بزعامة مصطفى كمال أتاتورك سنة (1923م). راجع المنجد في الإعلام: حرف (ع) العثمانيون.

[13] ـ وللمزيد عن تاريخ الدولة العثمانية راجع كتاب (موجز عن الدولة العثمانية) باللغة العربية، وكتاب (تلخيص تاريخ امبراطوري عثماني) لمؤلفه هامر بور كشتال يوزف، وهو باللغة الفارسية، للإمام المؤلف (قده).