الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

نظرة إلى واقع العراق المعاصر

إن العراق عاش تجربتين قاسيتين بعد نيله الاستقلال، والتجربتان هما:

أولاً: الحكم الملكي، الذي بدأ بالملك فيصل الأول[1]، الذي عملت بريطانيا على رسم صورة حكمه وتنصيبه، لإخماد نار الثورة العراقية الكبرى عام (1920م) التي قادها المرجع الديني الميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمه الله)[2]، وكانت تجربة فيصل فاشلة للغاية، والتاريخ يشهد بذلك.

ثانياً: الحكم العسكري (الجمهوري): المتمثل بـ (عبد الكريم قاسم)[3] الذي أطاح بالحكم الملكي الذي كان نوري السعيد[4] أحد أكبر رموزه، و (عبد السلام عارف)[5] ثم من بعده (عبد الرحمن عارف)[6].. إلى حكم (احمد حسن البكر)[7]

المشؤوم ثم حكم (صدام)[8] ـ وهو الأشأم من بينهم ـ، والمتتبع أحوال هؤلاء الحكام والمسؤولين والأوضاع التي كانت في عهودهم، يدرك جيداً مدى فشل هذه الحكومات. ولم يكن هذه الفشل إلا تخطيطاً من جهة الاستعمار فلم يكن باللاشعور بل كان مدروساً ومخططاً له لتأخير المسلمين.

وكان تخلي بعض الناس عن مسؤولياتهم في الماضي، وتخلي بعض آخر عن حقوقه، وإهمال الجانب السياسي مضافاً إلى عوامل أخرى اجتمعت جميعها؛ لتأتي بصدام على رأس حكومة العراق، ولو تكررت هذه الأمور مجدداً، فلعلها ستأتي بشخص هو أسوأ من صدام.

لا شك أن نظام العراق سيتبدل عاجلاً أو آجلاً ـ كما هي سنة الحياة ـ كما لا شبهة أن العراق سيدخل مرحلة جديدة من الحكم، ولكن الكلام في أن الغربيين يعملون جاهدين على أن تبقى حكومة العراق بيد غير الشيعة، لتبقى مشاكل العراق وتستمر أزماته السياسية.

إن الشيعة في العراق يمثلون الأكثرية من الشعب؛ فحسب بعض الإحصاءات التي أشرنا إليها من قبل أنهم يشكون حوالي 85% من نفوس الشعب العراقي، وحسب قانون الشرع والعقل، بل وحتى ما يسمى بالقوانين الديمقراطية، فان حق الحكم يعطى للأكثرية، مع حفظ حق الأقلية أيضاً، إلا أن هذه المعادلة لم توجد في العراق، ولا تريدها بعد الدول الغربية، لمصالح وأغراض خاصة، لذا ينبغي لنا أن نلتفت إلى هذه القضية، ونعي الخطط المرسومة من قبل الغرب لندفعها، ونعمل جاهدين لإيجاد حكومة الأكثرية.

[1] ـ فيصل الأول (1883 ـ 1933هـ): ولد في الطائف، ابن الشريف حسين، ثار على العثمانيين عام 1916م، وقاد الجيش العربي في فلسطين، نودي به ملكاً على سورية عام (1920م) وانسحب بعد دخول الجيش الفرنسي. ملك العراق عام (1921م).

[2] ـ هو الشيخ محمد تقي بن الميرزا محب علي بن أبي الحسن الميرزا محمد علي الحائري الشيرازي زعيم الثورة العراقية، ولد بشيراز سنة (1256هـ) ونشأ في الحائر الشريف، فقرأ فيه الأوليات ومقدمات العلوم، وحضر على أفاضلها حتى برع وكمل، فهاجر إلى سامراء في أوائل المهاجرين، فحضر على المجدد الشيرازي (رحمه الله) حتى صار من أجلاء تلاميذه وأركان بحثه، وبعد أن توفى أستاذه الجليل تعين للخلافة بالاستحقاق والأولوية والانتخاب، فقام بالوظائف من الإفتاء والتدريس وتربية العلماء. ولم تشغله مرجعيته العظمى وأشغاله الكثيرة عن النظر في أمور الناس خاصهم وعامهم، وحسبك من أعماله الجبارة موقفه الجليل في الثورة العراقية، وإصداره تلك الفتوى الخطيرة التي أقامت العراق وأقعدته لما كان لها من الوقع العظيم في النفوس. فهو (رحمه الله) فدى استقلال العراق بنفسه وأولاده وكان أفتى من قبل بحرمة انتخاب غير المسلم. وكان العراقيون طوع إرادته لا يصدرون إلا عن رأيه وكانت اجتماعاتهم تعقد في بيته في كربلاء مرات عدة. توفي (رحمه الله) في الثالث عشر من ذي الحجة عام (1338هـ) ودفن في الصحن الشريف ومقبرته فيه مشهورة. راجع طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر: ج1 ص261 الرقم 561.

[3] ـ عبد الكريم قاسم محمد بكر الزبيدي من مواليد (1914م) بغداد، التحق بالكلية العسكرية في عام (1932م). شارك في حرب فلسطين عام (1948م) في جبهة الأردن، انتمى لتنظيم الضباط الأحرار عام (1956م).

قام بانقلاب عسكري عام (1377ه ـ 1958م)، أطاح بالحكم الملكي، قتل أغلب أفراد العائلة الملكية بما فيهم الملك فيصل الثاني، أعلن الحكم الجمهوري. ألغى المظاهر الديمقراطية كالبرلمان والتعددية الحزبية ما عدا الحزب الشيوعي الذي أضحى الحزب المحبب للسلطة، وألغى الحكم المدني. استمر حكمه قرابة أربع سنوات ونصف تقريباً. تعرض في عام (1963م) لانقلاب عسكري دبره عبد السلام عارف مع مجموعة من الضبّـاط البعثيين أمثال أحمـد حسن البكر وعبد الكريم فرحان وصالح مهدي عمّاش وغيرهم، أعدم رميا بالرصاص مع بعض رفاقه في دار الإذاعة في التاسع من شباط 1963م.

[4] ـ نوري سعيد صالح السعيد من مواليد بغداد عام (1306ه /1888م)، أصبح رئيساً للوزراء بين عام (1349/1377ه ـ 1930/1958م) لأربع عشرة دورة، ووزيراً للدفاع في خمس عشرة دورة، ووزيراً للخارجية في إحدى عشرة دورة، ووزيراً للداخلية في دورتين. أحد أكبر عملاء بريطانيا فـي العالم العربي، وضع إمكانات العراق وقدراته تحت تصرف البريطانيين، وكانت سياسته مبنية على نظرية (خذ وطالب) وعلى التحالف مع الإنجليـز، جعـل العـراق ضمن التكتلات الدولية والتبعية الاقتصادية للاستعمار، وجعل العراق سوقاً لمنتجات الدول الاستعمارية ومصدراً لمواده الخام. أسس في الخمسينيات حزب الاتحاد الدستوري لدعم وزارته، وكان حزبه وحزب صالح جبر (الأمة الاشتراكي) لا يختلفان من الناحية التنظيمية والفكرية عن بعضهما، فالاثنان مواليان للإنجليز وأغلب أعضائهما من القطاع الموالي للإنجليز، وكانا يتنافسان أحياناً ويختلفان في بعض المسائل الداخلية. انتحر بإطلاق النار على نفسه عام (1377ه /1958م) وقيل قتل، من مؤلفاته: استقلال العرب ووحدتهم.

[5] ـ عبد السلام محمد عارف، من مواليد عام (1339ه ـ 1921م) في مدينة الرمادي، كان مـن أعضـاء تنظيم الضباط الأحرار، اشتـرك مع عبد الكريم قاسم عام (1377هـ ـ 1958م) فـي الإطاحة بالنظام الملكي، وبعد اختلافه مع قاسم أقصي من مناصبه، عيّن سفيراً فـي العاصمـة الألمانية، ألقي القبض عليه وأودع السجن وصـدر حكم الإعدام عليه وعفي عنه بعد أن قضـى أكثـر مـن سنتين في السجن. أصبح رئيساً للجمهورية بعد الإطاحة بنظام قاسم في (14 رمضان 1382ه ـ 8 شباط عام 1963م) ومنح نفسه رتبة مشير.

اتّسم حكمه: بـالكبت والإرهاب والعنصرية وأهتم بتعيين الأقارب وأبناء العشيرة والبلدة في إسناد المناصب بغض النظر عن المؤهـلات والقابليات والكفاءات. اشتهر بالتعصب المذهبي، يقول الدكتور سعيد السامرائي عن عبد السلام ما نصه: كان هذا الرجل لا يحتمل رؤية الشيعي، حتى أنه قطع زيارته لشركة التأمين الوطنية يوماً لأنه وجد أن مدراءها ورؤساء أقسامها وشعبها هم إما من الشيعة أو المسيحيين، والذين تبوءوا هذه المناصب بكفاءتهم في هذه المهنة التي لا تحتمل وضع غير الكفء فيها. إنقلب على رفاقه البعثيين في عام (1963م) وأقصاهم من وزارته وأصدر كتاباً ضدّهم سمّاه المنحرفون، وصم البعثيين بكلّ قبيح من قبيل الشذوذ الجنسي والسرقة وما إلى ذلك.

قتل مع عددٍ من الوزراء في عام (1385ه / 1966م) إثر سقوط طائرته قرب البصرة، ويرى البعض أنّ موته كان عملية مدبّرة نتيجة وضع قنبلة في الطائرة.

[6] ـ عبد الرحمن محمد عارف، ولد عام (1916م)، انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار. اصبح رئيسا للجمهورية عام (1966م) بعد مقتل أخيه عبد السلام. اتّسم حكمه بالتدهور الاقتصادي والمعاشـي وبالتمييـز الطائفـي والعنصرية والقبيلية وكـان يتأثر بالمحيطين به ويثق بهم، ويتبنى عادة رأي آخر من يقابله.

نحي عن السلطة بعدما أوعزت المخابرات الأمريكية والبريطانية إلى عبد الرحمن النايف وإبراهيم الداود وأحمد حسن البكر بتغيير السلطة في العراق إثر انقلاب عسكري في 17 تموز عام 1968م ونفي إلى تركيا.

[7] ـ أحمد حسن البكر، من مواليد (1333ه /1914م) في تكريت، تقلّد منصب رئاسة الوزراء فـي حكومة عبد السلام عارف، ثمّ منصب رئيس الجمهورية في العشرين من ربيع الثاني (1388ه/17 تموز عام 1968م) إثر انقلاب دبره على عبد الرحمن عارف، ومنح نفسـه رتبة مهيب ـ مشير ـ بعد الانقلاب، منح أقرباءه وأصهاره وأبناء عشيرته وبلدته رتباً عالية دون استحقاق. تحكمت الطائفية والعصبية في زمانه وتدهورت الزراعة وتردّت الصناعة وملئت السجون بالمجاهدين والأحرار. عرف بلؤمه وغدره حتى بأصدقائه وكان همه تحقيق هدفه بصرف النظر عن الوسيلة، نحي عن الحكم إثر انقلاب دبره عليه زميله في الإجرام صدام التكريتي بتاريخ (16 تمّوز عام 1979م) بعد أن حكم العراق 11 عاماً. قتله صدام بحقنة ترفع نسبة السكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش، وذلك عام 1982م.

[8] ـ صدام التكريتي، الطاغوت الذي صاغه الغرب وفق متطلبات المنطقة وظروفها السياسية، وحافظ علـى أمنـه الشخصي فـي أدق الظروف وأحلك اللحظات، ولد عام (1939م) في قرية العوجة جنوب تكريت تبعـد مائـة ميل شمال بغداد، والده كان يعمل فراشاً في السفارة البريطانية، كانت أمه صبيحة (صبحة) طلفاح تستلم مخصّصات تقاعد زوجها من السفارة، تزوجت صبيحة من أربعة أزواج ثالثهم إبراهيم الحسن ورابعهم زبن الحسن، وكان صدام يتنقل معها من بيت زوج إلى زوج آخر ـ هذا عدا علاقاتها المشبوهة المعروفة لكل من ابتلى بمعرفتها ـ تنامت لديـه روح الانتقـام، ابتدأ عمليات القتل وهو في السابعة عشر، اشترك مع بعض عناصر البعث في اغتيال عبد الكريم قاسم عام (1959م) هرب إلى سوريا ومنها إلى مصر، اشترك في انقلاب (17 تموز 1968م). وفي عام (1970م) أصبح صدام نائباً لمجلس قيادة الثورة ورئاسة الجمهورية في حال غياب البكر عن البلاد. وفي عام (1979م) أصبح رئيساً للجمهورية بعد أن أقصى البكر عن الحكم ومنح نفسه مهيب ركن، هاجم إيران (1980م) فاندلعت حرب الخليج الأولى واستمرت ثمان سنوات، احتل الكويت (1990م) فاندلعت حرب الخليج الثانية واخرج الجيش العراقي منها، وقامت قوات الحلفاء بقيادة أمريكا بتدمير العراق ووضع العراق تحت حصار طويل الأمد، انتفض الشعب فقمع صدام انتفاضة الشعب العراقي بوحشية لا مثيل لها، فقد قدرت أعداد من قتلوا وأعدموا واختفوا ما يزيد على 300 ألف عراقي.