الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

طغاة العراق.. أهداف وأساليب

إن الأسلوب الذي تتبعه الأنظمة المستبدة الفاسدة في إدارة شؤون البلاد عادة ما يكون أسلوباً تعسفياً، مبنياً على الإرهاب والقتل والتشريد والتصفية الروحية والجسدية لمعارضيها، وهذا الأسلوب قريب جداً من أسلوب عمل العصابات العالمية، كعصابة المافيا في إيطاليا ومنظمة الهاغانا الصهيونية وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد)، وما شابه ذلك. فهذه الأنظمة الفاسدة والعصابات العالمية تعتمد أسلوب التصفية لكل من يعارضها، وخصوصاً الأشخاص الذين كانوا منتمين إليها ثم خرجوا منها لسبب أو لآخر، مثلاً ينكشف لهم زيف الشعارات والأهداف التي كانت تنادي بها هذه الأحزاب والأنظمة هذا إذا كان دخولهم فيها لجهلهم بأسلوب تلك العصابات وغفلتهم عن ارتباطاتها وأهدافها، أو يقضون على عملائهم لانتفاء الحاجة إليهم، فتتم تصفيتهم بكافة الوسائل؛ لأن هؤلاء الأشخاص بدخولهم في تلك الأنظمة سوف يطلعون على أسرار عملها وطريقة تعاملها مع الناس والقضايا، وبما أنها على باطل فعندما يخرجون سوف يفضحونها ويكشفون للناس باطلها وزيفها وعمالتها؛ ولذا فإن تلك الأنظمة تسعى في قتلهم بكافة الوسائل. ويكون ذلك ـ القتل ـ عبر قتلهم شخصاً أوقتل شخصيتهم أيضاً في كثير من الأحيان.

وهذا الأسلوب نراه واضحاً في تعامل نظام البعث الحاكم في العراق مع عناصره، وهو دليل آخر مع آلاف الأدلة التي تثبت عمالة وهمجية هذا النظام، فقد عمد هذا النظام ومنذ الأيام الأولى لتأسيسه إلى هذا الأسلوب وهو القتل والسجن والتشريد لأغلب معارضيه، بل وأكثر من ثلاثة أرباع أتباعه المنتمين إليه، والذين حاولوا الخروج من هذا الحزب، فأين البعثيون الأوائل من أمثال:

حردان التكريتي[1]..

وناصر الحاني[2]..

وإبراهيم الداود..

وعدنان حسين الحمداني[3]..

ومحمد عايش[4]..

وعبد الخالق السامرائي، وعبد الوهاب الأسود، وغيرهم[5].

ألم ينته مصيرهم إلى القتل أو التشريد؟

فهذا (ناصر الحاني) الذي كان يعد من الحزبيين الكبار فيما يسمى بمجلس قيادة الثورة، اختلف في الرأي مع بعض العناصر الرئيسية في الحزب، وتشاجر معهم وهددهم، وقال لهم: سأذهب وأكشف زيفكم وحقيقتكم للشعب العراقي، وأقول لهم: بأن نظامكم عميل للإنكليز، والدليل على ذلك هو أن السفارة الإنكليزية كانت تمدكم بالمال عن طريقي أنا، فتم قتله في نفس الليلة، وثم إلقاء جثته في منطقة من مناطق بغداد يقال لها: منطقة قناة الجيش.

وهذا (حردان التكريتي) من القياديين في الحزب الحاكم، بمجرد اختلافه معهم تم عزله وعندما هدد بالقتل حاول أن يفشي أسرار طغاة العراق فتمت تصفيته وقتله في دولة الكويت في حادث اغتيال مدبر ولم تشفع له سنوات خدمته لهم.

وذاك (عبد الوهاب الأسود) أيضاً، حاول أن يعمل نفس العمل الذي قام به حردان وناصر الحاني، فتمت تصفيته أيضاً، وهكذا تمت تصفية أكثر من ثلاثة أرباع العناصر الأولى في جهاز حزب البعث العراقي. وهكذا لم تتوقف وحشية هذا النظام على العناصر التي عملت معه وحاولت كشف زيفه وتبعيته، بحيث جعل ذلك هدفاً لسياسته التعسفية، بل شملت جميع أصناف الشعب العراقي المظلوم.

فعلى جميع الأخوة الأحرار المؤمنين في المعمورة، وخصوصاً الأخوة المؤمنين في العراق الوقوف بوجه هذا النظام الباغي عبر نشر الثقافة والوعي والمطالبة الدولية بحقوقهم المشروعة؛ والله تعالى سوف يعوضهم عن ذلك، حيث قال تعالى في كتابه الكريم: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)) [6].

أساليب التهجير

استعمل نظام البعث العراقي عدة وسائل وأساليب في تهجير أبناء العراق، نذكر بعضاً منها هنا وبإيجاز:

أولاً: مداهمة بيوت المهجّرين في هدأة الليل، وبصورة همجية، مستعينين برجال الأمن المدججين بالسلاح.

ثانياً: التحايل على المواطنين لاستدراجهم وتهجيرهم بحجة استجوابهم لمدة عشر دقائق فقط.

ثالثاً: تهجير أعداد كبيرة من المواطنين وهم بملابس النوم.

رابعاً: محاربة المهجرين بطرق الحرب النفسية والإرهاب والتخويف وقذفهم بألفاظ قذرة نابعة من الانحطاط الخلقي لعملاء النظام العراقي الحاكم.

خامساً: حجز الفتيات المسلمات من أبناء شعبنا العراقي في دائرة الأمن الإجرامية، والاعتداء عليهن بعد تهجير عوائلهن.

سادساً: إنزال المهجرين على مسافات بعيدة عن الحدود الإيرانية، وهم حفاة وفي أراضٍ جبلية وعرة جداً، وفي ظروف جوية رديئة، ولم يسلم من حقدهم حتى الطاعنون في السن والأطفال والمرضى.

سابعاً: مصادرة كافة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمهجرين ووضعها تحت تصرف أزلام السلطة.

ثامناً: فصل الشباب الذين تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة عن عوائلهم المهجرة، وحجزهم في معتقلات الأمن الإرهابية، والتجنيد الإجباري لبعضهم، ومن يعارض ذلك يخضع للتعذيب الرهيب وقاموا بإعدام الكثير منهم.

تاسعاً: وضع الألغام في طريق المهجرين، بحيث راح ضحية ذلك العديد من الأبرياء.

نعم، فهذه بعض التصرفات والأعمال الوحشية التي قام بها النظام ضد المهجرين من أبناء العراق المسلم، ولا يتسع المجال إلى ذكر جميع الانتهاكات الوحشية التي اتبعها ـ وما زال يتبعها ـ النظام مع المواطنين؛ فإنها كثيرة جداً، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها من باب التعرف على طبيعة النظام الحاكم في العراق، وليس من باب الحصر.

من أساليب النظام

تعددت أساليب النظام البعثي الحاكم في العراق، في تعذيب معارضيه حتى فاقت جميع أساليب الأنظمة العميلة الأخرى، فذلك نظام الشاه العميل[7] للاستعمار الغربي الأمريكي، كان يعتقل ويعذب أبناء الإسلام في إيران، ويلفق لهم التهم الفارغة، مدعياً بأن هذا شيوعي وذاك متآمر وهكذا؛ وذلك ليبرر للعالم والشعب بأنه أعدم أو اعتقل هؤلاء لعمالتهم (كما يدعي)، ولكن نظام البعث العراقي تجاوز حتى هذا التعامل (أي تبرير عمله في قتل أبناء الشعب العراقي) فإنه يعتقل ويعذب أبناء الشعب العراقي المعارضين لحكمه وعلى الشبهة والظنة، أو كل من يعد من المتدينين الإسلاميين بدون تهمة واضحة موجهة له ولو ظاهرياً، وإليكم هذا النموذج من أساليب التعامل مع المعتقلين، ينقله أحد الناجين من حبالهم، فقال:

في إحدى الليالي المظلمة داهمت عناصر النظام عدة منازل في مدينة كربلاء المقدسة، واعتقلت بعض من فيها، واستشهد إثر المداهمة البعض الآخر، وكان ضمن المعتقلين شخص يعمل في وزارة العدل، اعتقل في منتصف الليل بملابس نومه، وبحجة استجوابه لمدة عشر دقائق ذهبوا به إلى مديرية الأمن العامة، وفي الصباح تم إعدامه ـ أي بعد مرور أقل من (6ساعات) على اعتقاله ـ ويقول ناقل القصة، الذي كان أحد المعتقلين معه: تم اعتقالنا، وذهبوا بنا إلى بغداد ووضعونا في غرفة لكي تتم محاكمتنا، وشاهدت الذين اعتقلوا معنا في السجن، ولقد عرفت الكثير منهم، ثم سألت عن السبب الذي جاء بنا إلى هنا؟

قالوا: لأجل محاكمتكم.

كنا أربعاً وأربعين شخصاً، وضعونا في غرفة، وأغلقوا الباب علينا، وكان الحاكم جالساً فسأل الحاكم شخصاً يدعى حسين الدلال: ما اسمك؟

فقال: حسين.

ما هو لقبك؟

قال: الدلال.

فقال: أين تسكن؟

قال: كربلاء.

قال: ما هو عملك؟

قال: وكيل لوزارة العدل.

فأصدر الحاكم حكم الإعدام الفوري بحقه بعد انتهائه من هذه الأسئلة!!

ثم اقتيد من قبل ثلاثة من رجال الأمن وذهبوا لتنفيذ حكم الإعدام به.

ثم جاء دوري للتحقيق معي، فسألني الحاكم: ما اسمك؟

وما لقبك؟

وأين تسكن؟

وما هو عملك؟

وبعد استجوابي أمر بإطلاق سراحي، بعد أن أجبت عن هذه الأسئلة، وأخرجوني من باب ثانٍ للسجن.

ويذكر ـ الراوي ـ سبب نجاته من حكم الإعدام فقال: بعد سماع خبر اعتقالي في منتصف الليل، من قبل والد زوجتي، الذي كان شخصاً ثرياً من سكنة كربلاء، ذهب إلى بغداد فوراً ومعه خمسون ألف دينار، وأوصل نفسه إلى أحد الجلاوزة من أعضاء ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، بشكل من الأشكال، وأعطى المبلغ المذكور رشوة لهم، فاتصل هؤلاء بالحاكم تلفونياً، وأمروه بإطلاق سراحي فوراً، فأصدر الحاكم العفو عني وأطلق سراحي.

نعم، هكذا يقتل أبناء الشعب على يد هؤلاء الجلاوزة بدون أي مبرر للقتل، سوى حقدهم عليه وعلى جميع الشعب وعلى الإنسانية ولهذا عارضهم الشعب العراقي المسلم بشكل كبير، وأعطى الشهداء في سبيل ذلك، ولم يركن أو يستكن إلى الظلم والظلمة، بل حاربهم بكل ما يستطيع، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)) [8].

من مآسي المهجرين

عند مطالعة بعض القصص والمآسي التي تحمّلها الشعب العراقي في ظل حكم هذا النظام الجائر سنعرف ولو جزئياً مقدار الظلم والانتهاكات الصارخة التي ارتكبت بحقه، ونرى لزاماً على المؤمنين نشرها في العالم أجمع وبيانها على مستوى منظمات هيئات حقوق الإنسان بالخصوص حتى تكون شاهداً وحجة مع آلاف الشواهد والحجج الأخرى على ظلم واستبداد هذا النظام.

ومن أبرز هذه المآسي والقصص مأساة التهجير والمهجرين التي نحن بصددها الآن.

فقد نقل أحد الإخوة المهجرين عن حادثة مأساوية لإحدى العوائل المهجرة، وكانت هذه العائلة تعيش في إحدى المحافظات الجنوبية في العراق، كانت عائلة متدينة وملتزمة بالتعاليم الإسلامية، شأنها شأن أغلب العوائل العراقية، وهي مكونة من زوجين طاعنين في السن، وخمسة أبناء، مصدر معيشتهم قطعة أرض يزرعونها فتدر عليهم ما يسد رمقهم ويؤمن مصاريف أبنائهم؛ حيث إن أكبرهم شاب في مرحلة الدراسة الجامعية، وأخته طالبة في المرحلة الثانوية، وأما الآخرون فهم صغار لم يبلغوا الحلم بعد.

فكان هذا الشاب ملتزماً دينياً، وكان يحث الشباب الضالين في مجتمعهم وفي محيطهم الجامعي من الطلاب على عدم الانخداع بأفكار الحزب الحاكم المنحرفة، فيبين لهم مفاهيم الإسلام، ويحثهم على العمل بالشريعة الإسلامية، ويفضح الأعمال الإجرامية التي يقوم بها النظام ضد أبناء الشعب المسلم، مما أثار حقد جلاوزة النظام وغيظهم عليه، فعنصر كهذا يعكر عليهم صفو حياتهم المليئة بالانحراف والجريمة فهم لا يتركونه لحاله.

لذا قاموا بفصله من الجامعة، ولم يكتفوا بذلك بل اعتقلوه وأرسلوه إلى مراكز التعذيب ليبقى هناك تحت وطأة سياط الجلادين، أما عائلته فقد تم استدعاءها إلى مراكز المخابرات، ومن ثم تم تهجيرها إلى إيران بحجة أنها غير عراقية، فخلفت وراءها ابنها الشاب في سجون النظام، وسكنت هذه العائلة بعد تهجيرها إحدى المناطق الحدودية في إيران، وبعد أن شن هذا النظام حربه على إيران ودخل المناطق الحدودية الإيرانية، كان من ضمن تلك المناطق الحدودية التي احتلها النظام المنطقة التي تسكنها هذه العائلة، وكعادة النظام عندما يدخل أو يسيطر على أي شيء يحاول تدميره، فدمر هذه المنطقة وقتل بعض أبنائها وأسر البعض الآخر، وكان ضمن الأسرى هذه العائلة المنكوبة، وبعد التحقيق معها في بغداد تبين لجلاوزة النظام أن هذه العائلة هي مهجرة سابقاً، وبعد حجزها عدة أشهر تم تسفيرها إلى إيران مرة ثانية، ولكن بعد أن أخذوا منها ابنتها الشابة هذه المرة، وهكذا فقدت هذه العائلة فردين من أفرادها، إضافة إلى جميع ممتلكاتها من أموال وغيرها، وتعرضها للويلات والتعذيب من قبل هذا النظام الطاغي، والكافر بكل الأعراف الإنسانية والأخلاقية، والذي لا يؤمن بالله العظيم ولا باليوم الآخر.

نحن عراقيون

وهذه قصة أخرى بل صورة عن مأساة التهجير يرويها أحد المهجرين، نذكرها باختصار: يقول المهجَّرين:

اكتب قصة تهجيرنا بأمانة وإخلاص دون ذكر اسمي ومكاني، لا خوفاً من أحد بل خوفاً على أولئك الناس الطيبين الذين رفضوا الظلم ولم تكن لديهم الشجاعة لنصرة الحق، ولأسباب أمنية معروفة للجميع في عراق الظلم والإرهاب، ويبقى أملنا بالعودة كبير، ويكبر كلما زادت سنين الغربة كما يشتاق الزرع للنبع كلما زاد العطش.

هكذا نحن جميعاً وبلا استثناء نحن المهجَّرين أبناء دجلة والفرات، ونحن على أتم استعداد لأن نموت من أجل كرامة شعبنا ووطننا إذا ما أراد له الأعداء شراً، نضحي من أجله بكل الوسائل الممكنة حتى لو منعنا من دخوله عندما يكون الأمر حق.

تبلغت بضرورة الحضور أمام ضابط الجنسية وذلك من قبل إدارة مدرستي التي أعمل فيها، وبعد مراجعتي للضابط المذكور وجه لي بعض الأسئلة ومن جملتها مَن مِن أهلك تم تهجيرهم؟

فأجبته: بأن والدي البالغ من العمر (70 عاماً) هجّر مع جملة التجار الذين بدأت حملة التهجير الظالمة بهم.

ثم سألني: ما عندك من مستمسكات عراقية؟

فقلت له: إخلاصي للوطن وحبي لأبناء بلدي ومعاداتي للاستعمار وقبور أجدادي. قال: وغير ذلك؟

ففتحت حقيبتي اليدوية وأخرجت له ما عندي من المستمسكات وهي: جواز السفر العراقي العائد لي ولأفراد عائلتي، بطاقات الأحوال المدنية، دفتر إكمال الخدمة العسكرية، ونسخة من ورقة رسمية إقرار بالتملك العقاري (ورقة الطابو لبيتي) وضعت الجميع أمامه.

مدّ يده لأخذها ثم نظر إليّ وارتبك الرجل ولملم وبسرعة جميع المستمسكات ووضعها داخل مظروف، وكتب اسمي عليه وقال: أستاذ الآن هي الحادية عشر ظهراً، ماذا تقول إن تأتي الساعة الثانية بعد الظهر إلى البيت؛ لأنك شملت وعائلتك بقرار التهجير لإيران؟

فأجبته: أخي، لا اعتقد أن الساعات الثلاث كافية لأودع بها أهلي وجيراني وتلاميذي وزملائي وأصدقاء الطفولة، والأهم من كل ذلك إنها لا تكفي لتقبيل كل شبر داسته قدماي من أرض الوطن، ثم كيف تسمح لنفسك أن يأتوا أفرادك إلى بيتي ويأمرونا بالصعود لسيارتهم، هل تعتقد أننا غجر!؟

فرد علي: كما تريد.

فقلت له: غداً صباحاً وفي تمام الساعة الثامنة سأكون وأفراد عائلتي جميعاً عندك في المكتب.

وفعلاً كان ذلك، جلبت أفراد عائلتي وجلست وزوجتي وأختي الخريجة الجديدة، وأخي طالب المعهد وأبنائي السبعة في مكتبه، وبعد أن أتم الإجراءات التي تخص تهجيرنا طلب منا أن ننتقل إلى غرفة مجاورة لمكتبه، وقال: أنتم الآن موقوفون بحكم القانون! لكن لا أستطيع أن أضعكم في غرفة التوقيف، فتفضلوا في هذه الغرفة حتى المساء كي يتم تهجيركم.

بقينا حتى السادسة مساء عندما جاءنا وأخبرني فقال: بأن مسؤول الحزب يريد التحدث إليك وهو الآن يجلس عند مدير الجنسية، ذهبنا جميعاً ودخلنا حيث يجلسون وبدأ الحديث والأسئلة والاستفسارات، ومن جملتها سألني قائلاً: أخي ماذا تقول إن لقبك عربي، وإن هذا من الألقاب العربية والمصنفة ضمن سجلاتنا؟

فقلت له: إذا كان كذلك فلماذا هجّرتم والدي ومن بعده أفراد عائلته، ألم يكن لقبهم عربياً وعراقياً؟

وإذا كنتم تعرفون ذلك فلماذا أنجزتم معاملة تهجيرنا؟

الحقيقة أنا لا أعرف بأي قانون تحكمون الناس، وما هو معيار المواطنة!!

هل الوثائق التي يحملها؟ فإن جميع مستمسكاتنا العراقية بين أيديكم.

وإذا كان معيار المواطنة هو الولاء للوطن فإن ابنتي الصغيرة (7 سنوات) والتي تجلس هي أكثر وطنية منك أيها الرفيق.

عندها قاطعني هذا الرفيق متأثراً من كلامي، قائلاً: كيف أنها أكثر وطنية مني وهي في الصف الأول الابتدائي؟!

قلت له: كن على ثقة لو أن الأمر معكوس عليك لما تذكرت تراب الوطن كما هي تذكرته، وطلبت من ابنتي الناجحة للصف الثاني الابتدائي أن تثبت للرفيق ادعائي.

فتكلمت بهدوئها وخجلها المعهودين ـ وباللهجة العراقية الدارجة ـ فقالت: عمو الصبح واحنا كاعدين نفطر فكرت اشلون راح انعوف بيتنا وأرضنا وبلدنا، فكمت وجبت كيس نايلون صغير وخليت بيه تراب من كاع حديقتنا حتى إذا رحت إلى إيران أضل أبوس بيه، وبعدين كلت لأبويه كام يبوس بيه ويبجي.

ما ان انتهت ابنتي من حديثها حتى أظهر جلاوزة النظام تأثرهم الواضح أو لعله وكما يقال دموع تماسيح.

ثم عاد هذا الرفيق مسؤول الحزب إلى مكانه، وقال بالحرف الواحد: والله يا أخي، هذي أوامر، وكلش زين نعرفك، عراقي ومواطن شريف لاكن منكدر إنكول: لا، وأنت تعرف قصدي.

فأجبته: لو كنت مكانك لقلت: لا وألف لا، لو كل شريف يقول للخطأ: لا لما استمر الظلم.

... اقتربت الساعة من السابعة والربع مساءً حيث رن جرس التلفون، فردّ عليه الضابط ولم نسمع سوى: نعم سيدي جاهزين وخمس دقائق يكونون عندكم.

بعد انتهاء المكالمة طلب منا الضابط النزول والتوجه إلى سيارة كانت معدة لنا خارج الدائرة، صعدنا وكان لفيف من الأهل والأقارب والأصدقاء ينتظروننا للتوديع من بعيد، نقلنا إلى دائرة أخرى قريبة من مديرية الجنسية ودخلنا إلى غرفة كانت تنتظرنا فيها لجنة حزبية وضابط شرطة برتبة كبيرة، وضابطان عسكريان وامرأتان، جلست بعد أداء السلام، ومن معي بقي واقفاً لضيق المكان، وضعوا أمامي ورقة طلبوا وضع بصمة إبهامي عليها، ففعلت دون أن أقرأها، أخرج أحدهم أوراقاً نقدية من حقيبته وطلب مني استلامها، وقال: هذه هدية الحزب والثورة!! فرفضت استلامها، وقلت له: ما هي المناسبة التي يوزع الحزب فيها هداياه؟

فقال: يا أخي خذها أرجوك؛ لأنك ستذهب إلى مكان غريب لا تعرف عنه شيئاً، وعندك عائلة كبيرة!!.

فأجبته: إذا كنت حقاً تؤكد بأنه بلد غريب فلماذا تقتلعوننا من بلدنا وترسلوننا إليه؟ هل قدمنا لكم طلباً بذلك؟

فأجاب كبيرهم: يا أخي متعرف ما نكدر نخالف الأوامر فأرجوك أن تأخذ هذا المبلغ البسيط.

فسألته: كم هو المبلغ؟

فأجاب: بما أن عائلتك كبيرة وعددهم (11 شخصاً) فقد قررنا إعطائكم (500 دينار).

فقلت له: حسناً لقد استلمت المبلغ لأنني وقعت وصل الاستلام، فأرجو استلام المبلغ مني واعتباره تبرعاً من عائلتي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم استدركت قائلاً: أو لأية جبهة أو منظمة فلسطينية ترتئونها؛ لأن علاقة العراق حينذاك لم تكن ودية مع منظمة التحرير.

وهنا ثارت ثائرة الرفيق المسؤول فقال بغضب: أخي شنو هذا الكلام؟

فقلت له: نحن المهجرين وإخواننا الفلسطينيين وجهان لعملة واحدة، الفلسطينيون هجرتهم العصابات الصهيونية ونحن هجرنا من قبلكم، ولا أقبل هذا المبلغ البسيط بدل قيمة أرض آبائي وأجدادي؛ فليس للأرض والوطن ثمن غير دم الإنسان، ولا تحلو لي جنان الدنيا كلها مثل ما يحلو لي ذلك القبر المظلم المدروس في ثنية من ثنايا أرض وطني الحبيب، عندها خيّم على الجميع السكون ثم أطرقوا برؤوسهم، أما المرأتان فكان نحيبهما مسموعاً، اقترح الرجل المسؤول أن أقبل المبلغ وأتبرع فيه إلى المنظمة في طهران، وبعد أخذ ورد قبلت المبلغ.

وبعد ذلك أخذونا بعد أن احتجزوا أخي عندهم وفرقوه عنا؛ لأن أخي يبلغ من العمر عشرون عاماً، وقالوا: حسب الأوامر إنه لن يهجر معكم بل يحتجز. ولما سمع أولادي ذلك ولشدة تعلقهم به أجهشوا بالبكاء.

خرجنا من هذه الدائرة حيث نقلونا إلى أحد مراكز الشرطة وهنا أحسست بتوتر شديد ومرارة كبيرة ملأت نفوسنا، وبعد مرور ساعات قضاها الأولاد نوماً على أرض ممر مركز الشرطة والكبار سكنت شفاههم عن الحركة، وكل منا ينظر إلى وجه الآخر ولسان حالنا يقول: قاتل الله الظلم هل نحن في حلم؟ هل حقيقة أننا نفترش الأرض وعندنا الكثير من البيوت؟ فلماذا نعامل هكذا ونحن العائلة العريقة المعروفة بكل فضيلة؟ لماذا يصل الحقد بالحاكم الجائر لهذه الدرجة؟

صارت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وأخبرونا بأن السيارة جاهزة لنقلكم إلى الحدود الإيرانية، وكانت من النوع الذي يخصص لنقل المجرمين ذات الحاجز المشبك من الداخل، حيث يفصل المجرم عن طاقم الحرس المأمورين، وهنا جن جنون زوجتي والتي كانت في الأيام الأخيرة لوضع مولودها، فصرخت وبعصبية قائلة: ألا تخجلوا من أنفسكم لتنقلونا بمثل هذه السيارة هل نحن مجرمين؟

لم تجد إجابة لسؤالها شافية.

اخترقت السيارة شوارع مدينتنا ونحن نمر من أمام بيوت أهلنا وأصدقائنا، نودعهم وهم نيام لا يعرفون بأن هناك عائلة لها جذورها في هذه الأرض قد اقتلعت، وهي محمولة في سيارة حقيرة لقذفها خارج حدود الوطن.

وبعد مسيرة طويلة استغرقت أربع ساعات ونصف وصلنا المخفر الحدودي، لم يدم بقاؤنا عند المخفر أكثر من ربع ساعة حيث ودعنا آخر قطعة أرض من الوطن ونحن نحمل ذكريات اللوعة والحزن على فعل بنا هذا النظام الذي ابتلى به العراق. وكانت المسافة بين المخفر الحدودي والخط الدولي الفاصل (500متر) تقريباً، جلسنا عند شاخصة إسمنتية كتب على وجه منها العراق وعلى الوجه الآخر إيران، ونحن لا نعرف هل نحن ولدنا في الهواء؟!

طلعت علينا شمس تموز من خلف جبال إيران لتشهد المأساة، مأساة أم حامل في أيامها الأخيرة وأطفال أبرياء بعمر الزهور قد ضاق بهم هذا الكوكب الواسع، مرت ساعة وساعتان وثلاث حتى انتصف النهار، ولا أحد من شرطة الحدود الإيرانيين يأتي لنقلنا، واشتدت حرارة الشمس ولم يكن في المكان شجرة أو شيئاً نستظل به، جمعت الأم أولادها الصغار وكان أكبرهم يبلغ من العمر (13 عاماً) جمعتهم تحت عبائتها وبدأت تقص لهم قصصاً قصيرة وهي يائسة خائرة القوى، عسى أن تنسيهم وتبعد عنهم الخوف من المصير المجهول الذي ينتظرهم، طلبت ابنتي الصغيرة قليلاً من الماء، فعندما أردت سكب الماء لها فوجئت بنفاده، حيث كان معنا قربة صغيرة فيها قليل من الماء نزل منها ما يكفي لتبليل الشفاه فقط، عندها رفضت الصغيرة وبإصرار على أن لا تشربه، فسألتها لماذا؟ فأجابتني: إذا شربت الماء فماذا يبقى لإخواني الصغار إذا عطشوا. لقد أثر هذا الموقف بنفسي كثيراً وأحسست بأن الموت قادم لنا جميعاً.

عندها أخذت اثنين من بناتي الصغيرات واتجهت بهم صوب مخفرنا سابقاً ـ أي: المخفر الحدودي العراقي ـ وأنا ألوّح بقطعة قماش كنت أقي بها طفلتي من حرارة الشمس، ألوّح بها لأفراد المخفر؛ عسى أن يقدموا نحونا لإسعافنا بقليل من الماء، تابعنا نحن الثلاثة مسيرنا نحوهم ونحن منهكي القوى، وأخذ العطش والتعب والخوف من المجهول منا مأخذه، حتى شاهدنا ثلاثة عسكريين يتقدمون نحونا، فالتقينا قريباً من المخفر وكان أحدهم ضابط المخفر والاثنان في حراسته، سألني الضابط وكان الحرج واضحاً عليه: لماذا وكيف دخلت الأراضي العراقية؟ لدينا أوامر من الرئيس صدام بأن نطلق النار عليك وعلى بناتك ونقتلكم؟ يقصد تنفيذ التأكيد الوارد في البرقية السرية لوزير الداخلية، والموجهة إلى الأجهزة الأمنية بخصوص عملية تهجير المواطنين المرقمة (2884 في 10/4/1988) حيث جاء في ذيل هذه البرقية: (نؤكد أمرنا في فتح النار على من يحاول العودة إلى الأراضي العراقية من المهجرين).

صرخت الطفلتان وطوقتاني بأذرعهما مذعورتين ثم تركتني إحداهما وأمسكت بالضابط متوسلة وهي تصرخ: لا، لا تقتلنا نحن عراقيون. ثم تابع الضابط كلامه فقال: أنا الآن مراقب ومسؤول لعدم تنفيذ أمر إطلاق النار عليكم. فأجبته: إن العطش سيقتل أولادي. فقال: هم سبعة ليمت منهم اثنان، أمس كانت عائلة مات منهم رجل مسن وطفل رضيع دفنهم أهلهم هناك!!

قال ذلك وكأنه يتحدث عن نعاج نفقت، قلت له: ألا تتحمل المسؤولية من أجل أبنائي؟

قال: لا.

قلت: لو كنت مكانك لضحيت بأبنائي السبعة من أجل إنقاذ طفل من أطفالك، وأتحدى كل قوانين الظلم من أجل موقف إنساني، فطلب من الطفلتين السير خلفهم بعد أن طالبني بالرجوع حيث تجلس عائلتي، فزودوا الطفلتان بالماء وعندما عادتا قالتا لي: إن الجنود قالوا لهما: إذا بقيتم على الحدود إلى الليل تعالوا لنا خلسة كي نزودكم بالغذاء والماء، وكونوا حذرين أن لا يراكم ضابط المخفر. عادت الطفلتان تحملان الماء، فشرب الجميع دون تبذير.

طال انتظارنا وخيم اليأس على نفوسنا ونحن بانتظار حدوث المعجزة.

وبعد يأس كبير قررت أن أسير داخل الأراضي الإيرانية واستمر بالسير مهما طال الطريق؛ عسى أن اصل إلى قرية أو جماعة أو مخفر، سرت وبصعوبة بالغة، فقد أخذ الأمر مني مأخذه، وبعد أن قطعت مسافة طويلة استغرقت ساعة ونصف وإذا بأربعة شباب ينزلون وبسرعة فائقة من قمة جبل متوسط الارتفاع متجهين نحوي يحملون البنادق الرشاشة، وفهمت منهم أن اقف وأرفع يدي ففعلت، وقاموا بتفتيشي وبعد التأكد سألوني وأفهمتم بأني لا أعرف ما يقولون ولحسن الحظ كان من بينهم جندياً يعرف اللغة العربية من عبادان فترجم لهم أقوالي، بعدها اتصلوا بجهاز اللاسلكي وطلبوا على الفور سيارة تنقلنا إلى إيران.

لا تتكلموا، هذه أوامر صدام!

وهذه قصة أخرى يرويها أحد المهجرين من الذين عانوا من جريمة التهجير وذاقوا ظلم ومرارة نظام العفالقة، فيقول:

بدون سابق إنذار فوجئنا بمسلحين يطرقون باب بيتنا، ووقتها كنت وأمي واخوتي الثلاثة وأختي الصغيرة جالسين نتناول طعام الغداء، ففزعنا جميعاً من شدة الطرق على الباب، وأسرعت لفتح الباب، فاقتحم رجال مسلحون الدار دون استئذان، وهددوا الجميع بعدم القيام بأية حركة، ثم أخبرونا بضرورة الإسراع وتهيئة أنفسنا للذهاب معهم إلى مركز الشرطة، حيث سيتم تهجيرنا إلى إيران، صعقنا جميعاً لهذا الخبر، وأخبرناهم بأننا عراقيون ولدينا كافة المستمسكات العراقية، وقد ولدنا وآباؤنا وأجدادنا في العراق، وليس لنا أي وثائق تربطنا بإيران، ولا نعرف عنها شيئاً لا من قريب ولا من بعيد، فلماذا تفعلون بأبناء الوطن هكذا؟!

فأجابونا بعصبية: لا تتكلموا؛ هذه أوامر الرئيس صدام.

اقتادونا بسيارتهم دون أن يسمحوا لنا بجلب أي شيء معنا، حتى وجبة الغداء بقيت على الأرض دون أن نكملها، أخذونا إلى سجن رقم واحد السيئ الصيت، وفيه شاهدنا عشرات العوائل جلبوها لنفس الغرض، بقينا عدة ساعات حتى جاء دورنا للتحقيق ولم يستغرق التحقيق الصوري أكثر من (15 دقيقة) حيث أخذوا منا جميع المستمسكات العراقية، وبعدها نقلونا نحن الأخوة الشباب الثلاثة إلى غرفة خاصة وعزلونا عن والدتي وأختي الصغيرة، وقالوا لأمي: سوف تذهبين إلى إيران وابنتك فقط وأما أولادكم سيتم حجزهم؛ لأن هذه أوامر الحكومة.

فلما سمعت أمي هذا الكلام صرخت ثلاث مرات: لا لا لا، وأغمي عليها، افترقنا ولم نعرف عنهم شيئاً، حيث تم اقتيادنا إلى مركز شرطة في منطقة البتاوبين في بغداد وحجزنا فيه مدة (20يوماً) ثم نقلنا إلى سجن أبو غريب الرهيب، تصوروا ثلاثة اخوة يفرقونهم عن أمهم وأختهم ويدخلونهم السجن دون أي ذنب أو جرم!!. دخلنا سجن (صدام) ورأينا جميع غرف السجن الرهيب مليئة بشباب مثلنا وكان عددهم يزيد على (80 شخصاً)، وهؤلاء كلهم هجرت السلطة عوائلهم.

ما أن مرّ على بقائنا في السجن (8 أيام) حتى حدثت انتفاضة (5/5/1980) والتي قام بها الشباب العراقي المؤمن ليعلنوا غضبهم بوجه الجلاد، ولقد أضاف هذا اليوم رقماً جديداً في سجل بطولات الشعب العراقي المعروفة، تحطم كل شيء في هذا السجن وأبوابه الحديدية الداخلية القوية لم تصمد أمام عزيمتنا لأكثر من (10 دقائق) فقط أصبح السجن كالبحر تتلاطم فيه الأمواج، وارتبك الحرس وهربوا إلى السطح وبعد مدة قليلة وإذا بالمروحيات تنزل قواتاً من الحرس الجمهوري وبدءوا بإطلاق الرصاص وبشكل عشوائي علينا، وأخذوا ينادوننا بمكبرات الصوت ويدعونا إلى الهدوء وتعهدوا لنا وباسم الطاغية صدام بأنه سيتم إخلاء سبيلنا، وفعلاً وبعد الانتفاضة بيومين تم نقلنا جميعاً وعلى شكل وجبات إلى الحدود الإيرانية، أما الذين هيئوا للانتفاضة فقد تم عزلهم ولايعرف أحد عن مصيرهم شيئاً.

لن نرضى بغير العراق وطناً

وهذه قصة أخرى يرويها أحد الأشخاص كان يعمل موظفاً في مديرية التأمين على الحياة ـ ولم يسعفه عمله في التأمين على حياته ـ حيث يذكر طريقة تهجيره فيقول: عند الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم (19/نيسان/1980) وبينما كنت منهمكا بإنجاز بعض المعاملات ـ التأمين على الحياة!! ـ اتصلت بي والدتي تلفونياً وهي خائرة القوى، وطلبت مني الحضور وبسرعة إلى البيت؛ لان مجموعة من المسلحين دخلوا عليها وأخبروها بضرورة الذهاب معهم إلى مركز الشرطة لتهجيرها ومن معها إلى إيران.

خرجت من الدائرة بعد أن طلبت إجازة زمنية!! ولما وصلت إلى البيت وجدت أربعة أشخاص بيد كل منهم مسدساً، وكانوا في حالة تأهب وكأنهم دخلوا ليحتلوا موقعاً عسكرياً أو داراً للإذاعة، سلمت عليهم فرد علي أحدهم بعبارات نابية، وطلبوا مني الإسراع للذهاب معهم، فرجوتهم أن يعطوني فرصة كي أتصل بأختي الموظفة في وزارة الزراعة ـ زراعة بلد تطرد منه ـ وأختي الصغيرة في المدرسة وأخي في الصف الثاني المتوسط وولدي في الصف الأول الابتدائي؛ إذ لا يمكن أن نذهب بدونهم، وأخيراً تمكنت بعد عناء شديد من إقناعهم، ولما حضر الجميع صعدنا إلى السيارة المعدة لنا دون أن يسمحوا لنا بحمل أي شيء معنا، سوى جوازات سفرنا وهويات الأحوال المدنية ووثيقة إنهاء الخدمة العسكرية ومستمسكات ثبوتية أخرى من أجل سحبها منا ـ وهم ومع كل هذه المستمسكات والأوراق الثبوتية يعتبروننا غير عراقيين حسب ضوابط نظام الطاغية ـ وفعلاً سحبت جميعها من قبلهم، وبعد ساعة واحدة من التحقيق السريع تم نقلنا وثلاث عوائل أخرى بواسطة إحدى السيارات إلى مخفر حدودي حيث تم تسليمنا لهم، وبعد التأكد من الأسماء الواردة في كتاب الإبعاد وضعونا على خط الحدود الفاصل بين العراق وإيران حتى جاءت سيارة تابعة إلى شرطة الحدود الإيرانية ونقلونا بها إلى مركزهم، ومن ثم وضعونا في مخيم محافظة خرم آباد.

نعم، هكذا وببساطة ودون رفة جفن واحدة هجرنا من بلدنا الذي ولدنا فيه نحن آباءنا وأجدادنا، وفرقوا أختي عن خطيبها، وزوجتي عن أمها وأبيها، وصادروا كل ما عندنا حتى بيتنا الذي أكملنا بناءه قبل التهجير بستة اشهر والذي كلفنا جهد العمر.

لقد تم تهجيرنا بهذه الصورة اللاإنسانية رغم كل ما نحمله من مستمسكات ثبوتية عراقية ورغم ولاداتنا المضاعفة حيث ولادة جدي في العراق عام (1881م) وولادة أبي عام (1915م) وولادتي وولادة أبنائي جميعاً ولا نعرف وطناً غير العراق، ولن نرضى بغير العراق وطناً لنا مهما طال الزمن ومهما طال عمر الظالم.

تهجير التجار غيلة

أما قضية تهجير التجار الجماعية فكما يرويها أحد التجار فيقول:

قامت غرف التجارة في بغداد وبقية المحافظات بتوجيه دعوة رسمية تم بها استدعاء كبار تجار الشيعة لاجتماع عاجل، بحجة التباحث والتداول والتشاور في بعض الأمور الاقتصادية بهدف حل أزمة المواد المعيشية التي استعصت على الدولة.

وهكذا ما أن وصل التجار إلى أمكنة الاجتماعات المزعومة، أصيبوا بالذهول لهول الصدمة؛ إذ تم اعتقالهم فوراً والاستيلاء على سياراتهم التي قدموا بها، وإذا بهم بعد دقائق داخل قفص محكم الطوق من قبل أزلام الطاغية من أفراد الأمن والاستخبارات وغيرهم. وانهم وقعوا في مكيدة خبيثة خسيسة نصبها لهم الطاغية.

وقبل أن يفيقوا من صدمتهم اقتيدوا بسيارات أعدت لهم خصيصاً إلى مديريات أمن المحافظات وسط إجراءات إرهابية، حيث أفرغت جيوبهم من كل محتوياتها، كالنقود والأوراق الخاصة والأوراق الثبوتية والصكوك والمفاتيح ودفاتر الهاتف، وأجري لكل منهم تحقيقاً سريعاً حيث أخذوا منهم المعلومات مثل: الاسم، العنوان، الرصيد في البنك، الأموال المنقولة وغير المنقولة، المحلات والتجار الذين يتعاملون معهم، عدد الأبناء والاخوة وعناوينهم وعناوين الأقارب حتى الدرجة الرابعة، وبعد الانتهاء من كل هذه الإجراءات الإرهابية سيقوا جماعات جماعات، وتحت حراسة مشددة إلى الحدود، فرموا بالعراء وأمروا بالسير نحو الأراضي الإيرانية، بعدما أبلغوهم بأنهم غير مرغوب في وجودهم في البلد؛ لأنهم ـ حسب زعم الطغاة ـ عجم!!! ويجب أن يعودوا إلى بلادهم، وأنذروهم بأن أي شخص يحاول العودة إلى الوطن، أو يتردد في الحركة إلى إيران فإن النار ستطلق عليه بدون إنذار.

وهكذا تمت مرحلة من مراحل جريمة التهجير المقترنة بكوابيس الإرهاب والرعب للمسلمين العراقيين من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث جرى بها تشريد شعب كامل وتغيير بنيته السكانية ضمن مخطط شرير تكمن في أساسه عقدة الخوف من الشعب ذاته.

تهجير آلاف العوائل

وبعد مدة قصيرة جداً من ترحيل التجار، ودون سابق إنذار وطوال أيام مريرة واجهت آلاف الأسر العراقية البريئة محنة التهجير القسرية، جريمة جناها الطغاة ترسيخاً لسياسة الإرهاب والتمييز القومي والطائفي، حيث تمت مداهمة بيوت الآمنين من قبل قوات الأمن والشرطة ومرتزقة الجيش الشعبي والأجهزة القمعية الأخرى، روعت النساء والأطفال وأهانت الأمهات والآباء الذين انتزعوا من أسرتهم وأخرجوا من بيوتهم بالقوة والإكراه بما عليهم من ملابس، بعد أن جردوا من كل ممتلكاتهم ومقتنياتهم كالنقود والمصوغات، وتم الاستيلاء على أملاكهم من العقارات والأراضي والبساتين بحجة أنها غنائم، ومنعوا من سحب الأموال من المصارف، كما منعوا من إعطاء وكالات لبعض من ـ لعله يقبل أن ـ ينوب عنهم في سبيل تصفية أمورهم المادية، وحرم عليهم أخذ أي زاد أو متاع أو اصطحاب أبسط حاجياتهم، وحذروا بأن كل من يخفي في ملابسه مالاً أو ذهباً سوف يقتل بتهمة سرقة أموال الدولة!.

وبعد ذلك تم عزل الأبناء والاخوة من الشبان الذين تتراوح أعمارهم ما بين (16 ـ 28) سنة واحتجازهم، ثم حشرت الأسر المنكوبة من رجال ونساء وأطفال بسيارات شحن، انطلقت بهم إلى الحدود في ساعات الفجر الأولى، وتركوا في البرد والعراء تحت طائلة التهديد بإطلاق النار عليهم حتى الموت إن تلكؤا في المسير، أو حاولوا العودة إلى وطنهم، وأجبروا على السير على الأقدام باتجاه إيران، وأمروا أن يعبروا الخط الفاصل بين الدولتين، عبر مناطق جبلية وعرة غير مأهولة، في طقس قاس وسط الثلوج وفي ظروف صعبة، وهم في أشد حالات التعب والإرهاق والخوف.

[1] حردان عبد الغفار التكريتي، عسكري عراقي عرف بتعلقه بالموبقات، أكمل دراسته الثانوية في مدينة سامراء ثم واصل دراسته الجامعية في بغداد، عين كنائب القائد العام للقوات المسلحة عام (1963م)، اشترك مع أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش في ضرب ما عرف بالحرس القومي عام (1963م) وتحالفهم مع عبد السلام عارف رئيس الجمهورية في حينه، فعينه الأخير وزيراً للدفاع. اشترك في انقلاب (17 تموز عام 1968م). اغتيل في الكويت عام (1971م) وقاد عملية الاغتيال حمودي العزاوي المستشار السابق في السفارة العراقية في الكويت، وقام صدام بإرسال عبد الكريم الشيخلي وزير الخارجية آنذاك بطائرة خاصة لتهريب قتلة حردان

[2] كان سفيراً للعراق في لبنان قبل انقلاب (1968م) حيث تم التنسيق عن طريقه وعن طريق (بشير الطالب) الملحق العسكري في السفارة مع الأمريكان والبريطانيين والانقلابيين لغرض تجنيدهم ويعتبر عرّاب إنقلاب (تموز 1968م)، عين وزيراً للخارجية بعد الانقلاب، تمت تصفيته على يد رجال السلطة في أحد شوراع بغداد.

[3] الصديق الحميم لصدام غدر به كما غدر بغيره.

[4] كان وزيراً للصناعة والمعادن.

[5] هؤلاء وغيرهم تمت تصفيتهم على مراحل عديدة، كان منها لمّا نحي البكر عن السلطة فقد افتعل صدام أزمة ووجه ضربة قاضية لأبرز أعضاء القيادة القطرية بعد أن شعر بتحسسهم من تنحية البكر، فكانت مجزرة شملت الكثير من القياديين البعثيين والضباط والكادر المتقدم، إذ نفذ حكم الإعدام بكل من:

محمد عايش حمد، محيي عبد الحسين مشهدي، عدنان حسين عباس الحمداني، محمد محجوب مهدي الدوري، غانم عبد الجليل سعودي، خالد عبد عثمان الكبيسي، طاهر احمد أمين، وليد محمود سيرت، غازي إبراهيم أيوب، نوري حمودي أحمد، عبد الخالق إبراهيم خليل السامرائي، ماجد عبد الستار فاضل، وليد صالح محمد الجنابي، وليد إبراهيم إسماعيل الأعظمي، إبراهيم عبد علي جاسم الدليمي، بدن فاضل عريبي، إسماعيل محمود إبراهيم النجار، نافع حسين علي الكبيسي، حازم يونس عبد القادر، وخليل إبراهيم القصاب.

وقد أقام النظام محكمة أصدرت أحكاماً وصلت إلى الحكم بالسجن المؤبد على المئات غير هؤلاء.:

[6] سورة التوبة: 20.

[7] محمد رضا بهلوي (1919-1980م) شاه إيران المخلوع (1941م) خلفاً لأبيه رضا ومستمراً في نهجه الظالم، ثار عليه الشعب، ترك البلاد (1979م) توفي في مصر.

[8] سورة الحجرات: 15.