الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

أكراد العراق

يتوزع الأكراد فيما بين العراق وإيران وتركيا وسوريا ومناطق أخرى من العالم، ويبلغ تعدادهم ـ حسب بعض الإحصاءات ـ (25 مليون نسمة) تقريباً موزعين بين هذه البلدان، وأكراد العراق وأسوة بإخوانهم من أفراد الشعب العراقي المظلوم عانوا ما عانوا من النظام الحاكم في العراق.

فجرائم النظام الحاكم بحق الأخوة الأكراد العراقيين هي مما لايمكن حصره بهذه الكلمات القليلة؛ وقد شاطروا إخوانهم الشيعة بما وقع عليهم من الظلم والاضطهاد بكافة أشكاله، فقد ارتكب النظام أبشع الجرائم وأشد أنواع الاضطهاد العنصري البغيض ضدهم؛ فإضافة للسجن والتعذيب والتهجير مورس بحقهم ما يعرف بحملات التعريب، حيث قام جلاوزة السلطة الحاكمة وبأوامر من رأس النظام بتهجير الأكراد من مدنهم وقراهم إلى مدن وقرى في جنوب ووسط العراق، وإسكان العرب مكانهم بعد تقديم إغراءات كبيرة لهم، وعند إسكانهم في مناطق العرب تم وضعهم في ظروف معيشية مهينة مجبرين على امتهان أدنى الأعمال في سبيل سد رمق أطفالهم وعيالهم، كما كان يقوم أفراد الحزب الحاكم بالضغط على الأكراد في سبيل تغيير قوميتهم وإغرائهم بالانتساب إلى القومية العربية، كما قام النظام الحاكم بإصدار الأوامر لجيشه بحرق قرى كردية بأكملها وأبادتها عن بكرة أبيها، لمجرد إظهار أي نوع من أنواع المعارضة للنظام أو الاحتجاج على أساليبه، وهذا كله مخطط له ومنسق مع أسياد النظام من الاستعمار الذين أتوا به ليحكم العراق.

جريمة حلبجة

لعل من أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الكردي هي جريمة ضرب مدينة حلبجة الكردية بالأسلحة الكيماوية، حيث قام النظام بجريمته هذه قبل نهاية الحرب التي شنها نظام العفالقة على إيران، وذلك عندما أشيع للنظام بأن القوات الإيرانية ستدخل مدينة حلبجة بمعونة الأكراد عندها أصدر صدام أوامره بضرب المدينة الآمنة بالأسلحة الكيماوية والغازات السامة، فقتل ما لا يقل عن (5000) مواطن كردي أعزل من السلاح، بينهم مئات الأطفال والشيوخ والنساء الذين لا ذنب لهم، وتعتبر هذه الجريمة من سلسلة الجرائم التي ارتكبت بحق أبناء هذا الشعب بعربه وأكراده وسائر قومياته [1].

كما تبعتها سلسلة من الجرائم الخطيرة ضد الأكراد، تمثلت في هدم عدة قرى كردية ومسحها عن وجه الأرض بحجة أنها تقع على الحدود مع إيران، وقام نظام صدام بقتل الآلاف من الأكراد في عمليات تعرف بالأنفال سيئة الصيت، هذا فضلا عن استمرار سياسة التطهير العرقي بحق الأكراد الساكنين في المدن الكردية، وبخاصة من مدينة كركوك عبر اتباع نهج عنصري إجرامي في سبيل تغيير قومية الأكراد[2].

قصص من مأساة حلبجة

روى أحد الناجين من هذه الجريمة قائلاً:

لقد غض المجتمع الدولي الطرف عما جرى في حلبجة؛ لأن صدام كان آنذاك يحارب إيران، ولكنه اليوم وبعدما أدى ونفذ ما طلب منه من قبل أسياده الإنكليز والأميركيين والصهاينة نراهم اليوم يستغلون معاناة الناس في هذه المدينة ويتاجرون بمآسيهم في سبيل تأليب الرأي العام ضد نظام صدام.

ويضيف ـ الراوي ـ: لقد نجوت من القصف بالغاز بأعجوبة فعندما هاجمت الطائرات العراقية المدينة وذلك في يوم (16 آذار 1988م) وقد كانت مدينة حلبجة تزخر بالحياة والحركة، أتذكر هدير الطائرات التي ألقت قنابل الموت، والقصف الذي نفذ آنذاك أسفر عن مقتل ما لا يقل عن خمسة آلاف مدني على الفور، غالبيتهم من الأطفال والنساء. ودفن عدد كبير منهم في مقابر جماعية حول التلال المطلة على المدينة بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية.

ويقول: رأيت مشاهد لن أنساها طوال العمر، فقد بدأ القصف بصوت قوي غريب لا يشبه بشيء انفجار القنابل، ثم دخل أحدهم إلى منزلنا صارخا: الغاز، الغاز، وقد صعدنا في السيارة على عجل وأغلقنا نوافذها، واعتقد أن السيارة سارت على الجثث الأبرياء، وكان بعض الأشخاص يتقيئون سائلا أخضر اللون وبشرتهم تميل إلى السواد وتصبح متورمة، في حين أن آخرين أصيبوا بهستيريا وراحوا يقهقهون قبل أن يسقطون من دون روح، ثم شممت رائحة تفاح وفقدت الوعي. وعندما استيقظت، كانت الجثث متناثرة حولي بالمئات[3].

رواية أخرى للمأساة

وفي رواية أخرى لما جرى في حلبجة يقول الراوي:

في الساعات المتأخرة من صباح يوم (16 آذار 1988م)، ظهرت طوّافة تابعة لسلاح الجو العراقي فوق مدينة حلبجة، كانت الحرب الإيرانية – العراقية في سنتها الثامنة وكانت حلبجة على مقربة من خطوط الجبهة. ويسكنها قرابة ثمانين ألف كردي تعوّدوا العيش على مقربة من العنف في حياتهم اليومية، وكغيرها من معظم مناطق كردستان العراق، كانت حلبجة في ثورة دائمة ضد نظام صدّام، وكان سكانها من مؤيدي (البيشمرجا)، وهم المقاتلون الأكراد الذين كان يعني اسمهم: أولئك الذين يواجهون الموت.

وعند حوالي الساعة العاشرة، وربما أقرب إلى العاشرة والنصف، شوهدت طوّافة تابعة لسلاح الجو العراقي، غير أن الطوّافة لم تكن تهاجم، كان على متنها رجال يأخذون صوراً، كان مع أحدهم آلة تصوير عادية وكان آخر يحمل ما كان يبدو أنها آلة تصوير فيديو، دنوا منا كثيراً، ثم ابتعدوا. كان المشهد غريبا؟!

بدأ القصف قبل الحادية عشرة بقليل، أطلق الجيش العراقي المتمركز على الطريق التي تصل ببلدة سيد صديق، القذائف المدفعية على حلبجة وبدأت القوة الجوية إلقاء ما كان يعتقد بأنه قنابل النابالم على المدينة، وعلى الأخص على المنطقة الشمالية، ركضنا إلى القبو، واختبأنا فيه.

انحسر الهجوم حوالي الثانية بعد الظهر، وصعدنا السلم بكل تأن باتجاه مطبخ البيت الذي كنا فيه لحمل الطعام إلى العائلة، وعند توقف القصف، تغيّر الصوت، لم يكن قوياً، كان أشبه بقطع معدنية تتساقط دون أن تنفجر، لم نعرف سبب هذا السكون.

جمعنا الطعام بسرعة لكن لاحظنا مجموعة من الروائح الغريبة أتت بها الريح إلى داخل المنزل، في البداية، كانت الرائحة كريهة مثل رائحة النفايات، ثم تحولت إلى رائحة طيبة، مثل التفاح المحلّى، ثم مثل البيض، ألقيت نظرة على طير حجل داخل قفص في المنزل، كان الطائر يموت وقد استلقى جانباً، نظرت خارج النافذة: كان كل شئ هادئاً، لكن الحيوانات ـ الخراف والماعز ـ كانت تنفق، ركضت إلى القبو قلت للجميع: إن ثمة شيئا غير طبيعي.

تملّك الذعر الأفراد الموجودين في القبو، لقد هربوا إلى الطابق السفلي للنجاة من القصف، وكان من الصعب عليهم مغادرة الملجأ، كانت خيوط من النور تدخل إلى الطوابق السفلية من المنازل، لكن الظلام كان يعطي شعوراً غريباً بالراحة، لقد أردنا البقاء مختبئين حتى عندما بدأنا نشعر بالمرض، لقد شعرت بألم في عيني كغرز الإبر، دنت شقيقتي من وجهي وقالت: عيناك كثيرة الاحمرار، ثم بدأ الأطفال بالتقيؤ، واستمروا على التقيؤ. لقد كانوا يشعرون بألم كبير ويبكون بشدة، كانوا يبكون طوال الوقت، وكانت أمي تبكي ثم بدأ المسنّون بالتقيؤ.

لقد ألقيت الأسلحة الكيماوية على حلبجة من قبل السلاح الجوي العراقي، الذي أدرك إن أي ملجأ تحت الأرض سوف يصبح شبيهاً بغرفة غاز.

عرفنا أن في الجو مواد كيماوية، أصيبت أعيننا بالاحمرار، كما إن السوائل كانت تخرج من أعين البعض، لقد قررنا الركض. توجهت وأقاربي إلى الخارج بحذر شديد، وأتذكر أني رأيت بقرتنا مستلقية على جانبها، كانت تتنفس بسرعة كبيرة، كما لو أنها كانت تركض، كانت الأوراق تتساقط من الأشجار مع أنه كان فصل الربيع، لقد مات طير الحجل، كانت هناك سحب من الدخان تصل إلى الأرض وكان الغاز أثقل من الهواء، وكان يدخل إلى الآبار وينزل فيها.

راقبت العائلة اتجاه الريح وقررّت الركض في الاتجاه المعاكس، كانت هناك صعوبة في الركض، لم يتمكن الأطفال من الركض؛ لأنهم كانوا يعانون من شدة المرض وكانوا منهوكي القوى من التقيؤ فحملناهم على أذرعنا.

أما في المدينة، كانت العائلات الأخرى تتخذ نفس القرارات، لقد قرر بعضهم التوجه مع عائلته إلى عناب، وهو مخيم في ضواحي حلبجة يضّم الأكراد الذين هجّروا عندما دمر الجيش العراقي قراهم، وعلى الطريق إلى عناب، بدأ العديد من النساء والأطفال يقضون نحبهم؛ فقد كانت السحب الكيماوية تغطي الأرض، كانت ثقيلة وكنا نراها. وكان الناس يموتون من حولنا، وعندما كان طفل ما يعجز عن السير، كانت الهستيريا تتملك أهله من الخوف، فيتركونه خلفهم. لقد ترك العديد من الأطفال على الأرض، إلى جانب الطريق، وهكذا الحال بالنسبة للمسنين أيضاً، كانوا يركضون ثم يتوقّفون عن التنفس ويقضون.

كنا نريد الاغتسال أولاً وإيجاد ماء للشرب، وكنا نريد غسل وجوه الأطفال الذين كانوا يتقيئون وكانوا يبكون بشدة ويطالبون بالماء، وكانت هناك بودرة بيضاء على الأرض، لم نكن نستطيع أن نقرر بالنسبة لشرب الماء أو عدمه، لكن بعض الأفراد شربوا من ماء البئر لشدة عطشهم.

أما القصف فقد كان متواصلا بشكل متقطع بينما طائرات السلاح الجوي تحلق بشكل دائري من فوق، كانت تظهر على الناس عوارض مختلفة، لمس أحد الأشخاص البودرة، فبدأت تبرز على جلده فقاقيع.

وصلت إلى المكان شاحنة يقودها أحد الجيران، لقد رمى الناس أنفسهم فيها، وشاهدنا أناساً ممددين متجمدين على الأرض، كان هناك طفل رضيع على الأرض بعيداً عن أمه، ظننت أنهما نائمان، لكن يبدو أن هذه الأخيرة رمته أرضاً ثم ماتت، وأظن أن الطفل حاول الزحف لكنه مات هو أيضاً، لقد بدا كأنهم جميعاً نيام.

وبينما كانت سحب الغاز تغطّي المدينة، كان الناس يشعرون بالمرض والضياع. أحد الأشخاص علق في قبوه مع عائلته؛ قال: إن أخاه بدأ يضحك بشكل هستيري ثم خلع ثيابه، وبعدها بقليل مات، مع حلول الليل، بدأ أطفال العائلة يصبحون أشد مرضاً لدرجة لم يعد بإمكانهم التحرك.

في منطقة مجاورة أخرى، كان شاب في سن العشرين، قد هالته رائحة حلوة غريبة من الكبريت، وأدرك أن عليه إجلاء عائلته؛ كان هناك حوالي مائة وستين فرداً محشورين في القبو. قال: لقد رأيت سقوط القنبلة، كان ذلك على مسافة ثلاثين متراً من المنزل أغلقت الباب المؤدي إلى القبو، سمعت أصوات صراخ وبكاء في القبو، وأصبح الناس يجدون صعوبة في التنفس، شوهد أحد الذين أصابهم الغاز وكان ثمة شئ يخرج من عينيه، كان شديد العطش ويطالب بالماء. أما الآخرون في الطابق السفلي من المنزل بدؤوا يشكون من الارتجاف.

ويقول: كان يوم السادس عشر من آذار يوم عقد قران أحد الشبان. وكانت كل الاستعدادات قد تمّت. كانت عروسه بين أول الذين قضوا في القبو، يتذكر عريسها أنها كانت تبكي بشدة، حاولت تهدئتها، قلت لها: إن الأمر هو مجرد قصف مدفعي، لكن رائحته غير الرائحة العادية للأسلحة، كانت ذكية وتعرف ما الذي يجري. لقد ماتت على السلم، حاول والدها مساعدتها لكن كان قد فات الأوان.

وطال الموت بسرعة أناساً آخرين، حاولت امرأة إنقاذ ابنتها ذات العامين بإرضاعها معتقدة أن الطفلة لن تتنفس الغاز وهي ترضع، لقد رضعت مدة طويلة، وماتت أمها وهي ترضع، لكنها ظلت ترضع. وكان معظم الناس الموجودين في الطابق السفلي من المنزل قد فقدوا الوعي؛ العديد منهم قد مات.

قصة أخرى

وهذه قصة أخرى يرويها أحد الأخوة الأكراد يبين فيها واحدة من المآسي التي جرت عليهم من نظام الطاغية فيقول:

في الحقيقة عندما يتم الحديث عن جرائم النظام العراقي وانتهاكات حقوق الإنسان في العراق، لا يمكن الإحاطة بهذه الجرائم بكاملها، ولكني سأتحدث بشيء من التفصيل حول إحدى الجرائم، كوني عشت حياة عشرات الآلاف أثناء الترحيل، وأثناء استخدام السلاح الكيمياوي من قبل النظام الجائر ضد المدنيين الأكراد، وهي من الجرائم البشعة التي تعرض لها شعبنا الكردي، وهي من أبشع الصور في انتهاك حقوق الإنسان ارتكبت ضد شعب آمن لم يرتكب جرماً.

فاستخدام السلاح الكيماوي له وقع نفسي كبير على الناس، ومجرد ذكر هذا السلاح أمامهم يثير فيهم الفزع والحزن العميق، فالتأثير كان كبيراً، وفعلاً في يوم (24/8/1988) ـ أي بعد الإعلان الرسمي لنهاية الحرب بستة عشر يوماً ـ جاءت الأخبار عن وجود نية لهجوم كاسح، السلاح الأول فيه هو السلاح الكيماوي.

إن الليالي من (24/8/1988 ولغاية 28/8/1988) كانت قمة خوف وفزع ومأساة الجماهير، وكانت ليلة (27/8/1988) من أحرج الليالي، وكان العبور محدد بمناطق لايمكن العبور من غيرها، وهي مناطق محفوفة بالمخاطر، فالطريق الذي كان يعبرون منه لم يكن مستوياً، وقد عبر من واحدة من هذه المناطق أكثر من (13 ألف) كردي، ولم يستطع كل المتواجدين في تلك المنطقة أن يعبروا، لأن الوقت لم يسعهم فكان عليهم أن يتراجعوا وعوائلهم المتعبة الخائرة القوى مع المرضى وحيواناتهم وكل ما يملكون، فاضطروا في اليوم التالي إلى التسليم لقوات الحكومة التي كانت تحاصرهم في يوم (28/8/1988).

والحديث عن المأساة التي حصلت في منطقة كَلي بازي، وكَلي بازي هي قرية في البرواري، للذين لم يستطيعوا العبور إلى مناطق أكثر أمناً، حيث تم حصارهم وبعدما رفضوا الاستسلام لقوات النظام تم قتلهم جميعاً، وفي قرية أخرى قتل (48) رجلاً بعد أن تمت محاصرتهم ولم يسلموا أنفسهم، وفي قرية زيوه، القريبة من بامرني أيضاً تمت محاصرتها والكثير من سكانها الآن في عداد المفقودين لايعرف عنهم شيء حتى بلغ عددهم المئات ولا يعرف لهم مصير، وبهذه الطريقة صفي هؤلاء الناس.

الممارسة الأخرى التي هي بشعة أيضاً: تعامل أجهزة السلطة مع ممتلكات الناس، فقد كانوا يحرقون كل شيء يجدونه في طريقهم، البيوت بكاملها وصولاً للإنسان نفسه.

هذا بعض معاناة الأكراد في العراق، أما من اضطر وهرب إلى تركيا فهناك المعاناة لاتقل مرارة، فواحدة من مناطق المجمعات مجمع ماردين الذي يسمى بالمجمع الرهيب، وهو فعلاً مجمع رهيب وفي هذا المجمع يعيش مايزيد على (16) ألف مواطن عراقي كردي في ظروف صعبة جداً، تتضمن أشكال من المعاناة والآلام، والتهديد بالتسليم للسلطات العراقية بالقوة، والمحاولات بجرهم لقرارات العفو المزعوم من قبل النظام، هذه القرارات التي يعرفها الجميع بأنها زائفة.

شيعة الأكراد

وهذه صورة من المعاناة التي كانت تعانيها طائفة أخرى من طوائف الشعب العراقي، ألا وهي معاناة شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من الأكراد، حيث تم اعتقالهم وسجنهم وتعذيبهم وتهجيرهم وقتلهم، فصار النظام يطاردهم لأنهم شيعة ولأنهم أكراد.

فطرد أكثر من (300000) مواطن كردي فيلي ـ الشيعة ـ إلى إيران وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة وحجز نحو (10000) شاب كردي فيلي كرهائن، وذلك خلال سنوات (1970-1982). إلى غيرها من الإحصاءات المذكورة.

يروي أحدهم هذه المعاناة ويقول:

كثيرا ما يدور في خاطر المرء ويسجل ذكرياته عن الأيام الجميلة التي يقضيها ليحتفظ بها للأيام اللاحقة نموذجا، لكننا نحن الأكراد العراقيين لانملك من تلك الذكريات شيئا إلا الحزينة منها، لا بل الكارثية بعد أن ابتلينا بشرور وأعمال الأنظمة المتخلفة التي حكمتنا وتحكمنا منذ تشكيل الدولة العراقية. وخلال العقود الماضية واجهت شرائح المجتمع الكردي صنوفا من الاضطهاد، ومأساة تهجير الأكراد الفيليين هي إحدى أشكال الاضطهاد والتمييز العنصري، ودليل على الترابط المصيري لمعاناة هذه الشريحة مع واقع معاناة الشعب الكردي في العراق عموما.

فعند الرجوع إلى الماضي القريب وتذكر جريمة التهجير والحملات الظالمة التي طالت الأكراد بعد أن اصدر ما يسمى بمجلس قيادة الثورة القرار (666 في 7/4/1980) والذي سبب إبعاد ما يزيد على (400 ألف) كردي فيلي من ديارهم وسلب أموالهم.

فقد نكثت السلطات العراقية بوعودها ـ كما هي العادة ـ عندما زرعت بعض الأمل في نفوس آلاف البسطاء بإصدار القرار المرقم (180 في 3/2/1980) الصادر عن مجلس قيادة الثورة على أساس أنه وبموجب القرار ستمنح شهادة الجنسية العراقية للأكراد الفيليين، لكنها وبدلا من تنفيذ ذلك القرار شرعت باعتقالهم وتسفيرهم إلى إيران، وقامت السلطات بالاستيلاء على ما كانوا يمتلكونه من أموال وعقارات وأوراق ثبوتية تؤكد أصالة عراقيتهم.

ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما كانت تعانيه هذه الشريحة من المجتمع العراقي كنموذج لبعض ما جرى في تلك الليالي والأيام المشؤومة التي عاشها أبناء هذه الشريحة، وبما تحملوه من شتى أنواع الإهانات على أيدي ازلام السلطة الحاكمة في بغداد.

فقد كان أحد الشباب طالباّ في السادس الأدبي، وقبل التسفير كان يأمل في نيل الشهادة في القانون، وكان أحد أعضاء فريق كرة القدم في منطقته، وبعد صدور قرار منح الجنسية بدأ العديد من الأكراد الفيليين بتقديم طلباتهم بحسن نية لنيل شهادة الجنسية العراقية، وكان والد هذا الشاب من ضمنهم وشعروا بسعادة غامرة لهذا الأمر، فقد قال ذات مرة: لقد انهينا المعاملة وطلبوا منا (18) صورة شخصية لكل فرد من العائلة، لكنه وبعد مرور أكثر من شهر بدا هذا الشاب حزينا وقال: يا ليتنا لم نقدم معاملتنا لهذه الشهادة اللعينة، ولم يكن أحد من زملائه وأعضاء الفريق يدركون مغزى حديثه، حتى جاءت الليلة الظلماء التي توقعها وسفّر هذا المسكين مع عائلته المتكونة من والده العليل ووالدته واخوته السبعة.

وبما انه كان أحد الأعضاء الأساسيين في الفريق الكروي للمحلة؛ لذا فانه كان يحتفظ بالكرة دائما في بيته، وبعد أيام من تسفيرهم جاءت لجنة من الحزبيين وسجلوا ما في بيتهم من أثاث ومحتويات لمصادرتها وكأنها غنيمة حرب، وكانت (كرة الفريق) من ضمنها، ولما تقدم أحد أعضاء الفريق بعفوية وطلب من اللجنة إعادة الكرة إلى بقية أعضاء الفريق ردّ أحدهم وبكل حقد قائلا: كيف تلعب بكرة وصاحبها إيراني؟!

قصة أخرى

كان أحد الأشخاص يعمل قصابا وكان لديه ثلاثة أطفال، وفي إحدى الليالي قام رجال الأمن بقطع التيار الكهربائي عن الحي فأصبح الجميع في ظلام دامس فأغاروا على بيت هذا المسكين ولم يمهلوهم كثيراً، بل قاموا بتسفيره فورا، ولما كان يعمل قصابا فقد أبقى في بيته عددا من الخراف للذبح، وبعد أن سفروهم جاءت لجنة المصادرة إلى بيته فكانت فيه أربعة خراف من ضمن الأشياء المصادرة، فقال أحد أعضاء اللجنة بخبث ساخراً: حتى لو تكون الأغنام إيرانية، فنحن لا نسفر الحيوانات بل نسفر أصحابها.

هذه هي بعض تصرفات الحزب الحاكم المتسلط على رقاب شعبنا في العراق بجميع شرائحه عرباً وأكراداً وأقليات أخرى، لكن غضب الله عزوجل على هؤلاء الظالمين قريب جداً إن شاء الله تعالى، وسوف ينالون جزاءهم العادل، بإذن الله وقدرته، كما وعد في كتابه: ((وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ)) [4].

[1] وتمت هذه الجريمة بواسطة قائد المنطقة الشمالية من قبل نظام العفالقة وهو المسمى (علي حسن المجيد) الذي اشتهر بعد هذه الجريمة باسم (علي كيمياوي) وقد صور له فلم فيديو يوثق تهديده بضرب الأكراد بالأسلحة الكيماوية.

[2] أصدرت (143) منظمة وجمعية كردية وعربية متمركزة في بلدان عديدة، بيانا شجبت فيه الشركات والمؤسسات الألمانية التي زودت النظام العراقي بالغازات الكيميائية السامة، وطالبت الحكومة الألمانية بتعويض ذوي الضحايا وإعادة بناء حلبجة وتنظيف البيئة الكردستانية من الآثار السلبية للأسلحة الكيميائية. وفيما يلي نذكر فقرات من البيان:

في ذكرى قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية من قبل النظام العراقي نطالب:

أولاً: بما أن أكثرية الشركات التي ساعدت نظام صدام في صنع وتخزين الأسلحة الكيميائية، كانت شركات ألمانية، لذا نطالب الحكومة الألمانية بـ:

تعويض الأضرار الجسدية، النفسية والمادية لضحايا القصف الكيميائي في مدينة حلبجة وباقي مناطق كردستان التي تعرضت للقصف بالأسلحة الكيميائية من قبل النظام العراقي، والتي يصل تعدادها إلى نحو (75 قرية) ومنطقة وموقع.

تنظيف البيئة الكردستانية من الآثار السلبية للأسلحة الكيميائية.

إعادة بناء مدينة حلبجة بالكامل.

ثانياً: نساند جهود الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني والبرلمان الأوربي ونطالب المجتمع الدولي بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب العراقيين من أمثال صدام وحاشيته، وذلك لارتكابهم الجرائم التالية بحق الشعب العراقي والشعب الكردي على وجه الخصوص.

قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية بتاريخ (16/3/1988) وقتل (5000) مواطن كردي في هذه المدينة من الأطفال والنساء والشيوخ.

قتل وإفناء أثر (182000) مواطن كردي من الأطفال والنساء والشيوخ في عمليات الأنفال، وذلك خلال أشهر شباط إلى أيلول من عام (1988م).

طرد نحو (300000) مواطن كردي فيلي ـ الشيعة ـ إلى إيران وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة وحجز نحو (10000) شاب كردي فيلي كرهائن، وذلك خلال سنوات (1970-1982).

إفناء أثر (8000) مواطن كردي (ذكور) من عشيرة بارزان الساكنين في مجمع (قوشتبه) القسري القريبة من مدينة أربيل، وذلك عام (1983م).

تنفيذ سياسة التطهير العرقي بحق الكرد في محافظة كركوك، وديالى، ونينوى، وأربيل، وطرد بما يزيد على (700000) مواطن كردي من أماكن سكناهم الأصلية وإسكان العرب محلهم، وذلك منذ عام (1963م) وحتى اليوم.

كما ومنذ عام (1991م) وأمام مرأى ومسمع منظمات الأمم المتحدة العاملة في كردستان، طرد النظام أكثر من (100000) مواطن كردي وذلك من المناطق الكردستانية الخاضعة لسيطرته إلى المناطق المحررة من كردستان، وجرى ترحيل عشرات الآلاف من الكرد إلى المناطق الوسطى والجنوبية من العراق. وبموازاة هذه العملية تمارس أجهزة النظام القمعية وباستمرار الضغوط على الكرد الساكنين تحت سيطرتها وذلك بهدف إجبارهم على تغيير هويتهم القومية من الكردية إلى العربية.

6- تخريب البيئة الكردستانية عن طريق: تدمير (4500) قرية ومدينة، بما فيها الآلاف من المساجد والكنائس والمعابد واستعمال الأسلحة الكيميائية في (75) موقع من أنحاء كردستان، وطمر وتفجير عدد هائل من عيون الماء العذب، وزرع الملايين من الألغام تحت سطح الأرض في أنحاء كردستان، وذلك خلال السنوات (1978-1988م).

7- اغتصاب النسوة الكرديات في السجون أو في أثناء العمليات العسكرية إزاء سكان القرى الآمنين، حيث أن في سنة (1991م) في أثناء الانتفاضة وقعت في يد الأحزاب الكردستانية آلاف الوثائق التي تبين بأنه كان هناك الآلاف من عناصر الأجهزة الأمنية العراقية كانت وظيفتهم عبارة عن (مغتصب) ولدى منظمة (ميدل ايست ووج) ومنظمات إنسانية عالمية أخرى مئات من هذه الوثائق.

8- تدمير البيئة في الجنوب، وذلك عن طريق ردم وتجفيف مساحات شاسعة من أهوار الجنوب تقدر بعدة آلاف من الكيلومترات المربعة، وذلك لغرض قتل الحياة فيها وإجبار المعارضة في الجنوب للابتعاد عن تلك المناطق. انتهى.

علماً بأن ما فعله النظام في الجنوب العراقي من القتل والتشريد لا يقل مأساة عما ارتكبه في المناطق الكردية، ولكن لم تكن لها تغطية إعلامية لتبين للعالم عمق المأساة.

[3] ذكر الخبراء أن الطيران العراقي أمطر حلبجة بخليط من العناصر الكيميائية تتضمن الغاز المسيل للدموع المكثف وغاز الخردل وعنصر (في اكس) المتلف للأعصاب،. وكان العراق قد زود آنذاك بالأسلحة الكيماوية من جانب الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا.

وقد سببت هذه المأساة الكثير من التأثيرات الجانبية للغاز، وظهر العديد من الأمراض التي تفتك بأهالي مدينة حلبجة حتى الآن وهذه الأمراض هي: التشوه المنغولي، الربو، الإجهاض، ولادة الأجنة الميتة، أمراض الجلد والرئتين المزمنة، سرطان الدم، التشوهات في الحلق.

وتشير دراسة بريطانية أجريت إلى أن حالات التشوه الخلقي هذه في كردستان العراق تفوق بمعدل خمس مرات المعدلات المعهودة في مناطق أخرى. ويؤكد الأطباء المحليون أن عدد الإصابة بالأمراض الوراثية في إزدياد. وقد تراجع عدد سكان حلبجة اليوم كثيرا مقارنة مع ما كان عليه قبل العام (1988). كما هو مرشح لمزيد من التراجع أيضا.

[4] سورة إبراهيم: 42.