الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

من الأمويين إلى طغاة العراق

إن التاريخ يعيد نفسه عادةً، فبالأمس كان هناك جانب الشر والظلم والسجون والاستبداد والسيطرة، وتقييد الأيدي، وكم الأفواه، المتمثل في حكم الأمويين، الذين استحوذوا على سدة الحكم في البلاد الإسلامية بالظلم والطغيان، أمثال معاوية بن أبي سفيان زعيمهم الذي مارس بحق من أبناء الإسلام ألواناً من الظلم والاضطهاد والتعذيب والقتل والتشريد، ولكن في مقابله برز رجال أحرار من رحم الأمة مجاهدين مناضلين ومضحّين بكل غالٍ ورخيص في سبيل إعلاء كلمة «لا إله إلا الله»، ولقد تمركزت تلك الثلة الخيرة من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) في أوساط العراقيين في الكوفة والبصرة وبعض المناطق الإسلامية الأخرى.

فمارس والي معاوية على الكوفة والبصرة آنذاك، وهو (زياد ابن أبيه) [1] بحقهم ألواناً من التعذيب والسبي والقتل، حتى كثرت العوائل التي تعرضت لظلمهم، وأصبحت تهدد مصير عرش الظالم معاوية بن أبي سفيان، فكتب زياد إلى معاوية يخبره بقرب مصيرهم الأسود، فجاءت الأوامر من البيت الأموي في الشام بتهجير عوائل الشهداء والمجاهدين من العراق إلى خراسان لكي يتخلص منهم بابتعادهم عن مصادر القرار، ولكن النتيجة جاءت عكسية، فازداد السخط على نظام بني أمية وكثر المعارضون.

تلك كانت صورة الأمس، واليوم نلاحظ نفس الظلم السابق لا يتغير منه شيء، إن لم نقل بأنه أشد وأقوى.. فبالأمس كان الظلم يتمثل ببني أمية ومقره الشام، واليوم يتمثل بالنظام البعثي ومقره العراق.

ولكنهم اليوم نسوا أو تناسوا مصير معاوية الأسود، فبعد الحكم والسيطرة والبطش، وبعد تمتعه بالقصور الفاخرة والجواري العديدة، وما إلى ذلك من وسائل البذخ، كيف أصبح مصيره الآن؟.

فإذا ذكر معاوية ذكرت جميع الرذائل والصفات السيئة، أما إذا ذكر الجانب المقابل له، أي المعارض لحكم معاوية، من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأصحابه من أمثال حجر بن عدي، وميثم التمار، ومالك الأشتر، وسلمان الفارسي، ومحمد بن أبي بكر (رضوان الله عليهم) ـ وغيرهم كثيرون ـ ذكرت معهم الصفات الحميدة التي كانوا يتمتعون بها، والذي استلهموها من سيد الوصيين وقائد الغر المحجلين، علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهم أصبحوا مدرسة الخير والصلاح للأجيال يقتدى بها إلى يومنا هذا، فعلى طغاة العراق الاستفادة من هذا الدرس التاريخي، والاعتبار بمن كان قبلهم قبل فوات الوقت، إذا كانوا يملكون ذرة من الإنسانية، ولو أن هذا بعيد على نظام مثل نظامهم، الذي اقترف ما اقترف من الآثام والمعاصي، التي سوّدت صفحاتهم، ولم تُبقِ لهم عودةً إلى الخير.

إذن، من اللازم على كافة المسلمين في العالم أن يساندوا إخوانهم في العراق قولاً وفعلاً، وعلى العراقيين المجاهدين في داخل العراق وخارجه، وخصوصاً المهجّرين منهم، أن يعملوا يداً واحدة، ويديموا روافد الجهاد حتى إسقاط هذا النظام الجائر وذلك بعد نشر الوعي وذلك بعد نشر الوعي والثقافة بين صفوف الأمة.

«اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة».

[1] زياد بن أبيه كما سمته عائشة وهو زياد، يقال له تارة: زياد بن أمة، وتارة زياد بن سمية، وأخرى زياد بن أبيه، استلحقه معاوية فقيل له: زياد بن أبي سفيان، وكان يقال له: أبو المغيرة، لحق بمعاوية، بعدما كتب له كتاباً يستعطفه منه وقد قال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان شعراً أغضب معاوية فقال:

ألا أبلغ معاوية بن حرب***لقد ضاقت بما تأتي اليدان

أتغضب أن يقال: أبوك عف***وترضى أن يقال: أبوك زان

فاشهد أن رحمك من زياد***كرحم الفيل من ولد الأتان

وأشهد أنها حملت زياداً***وصخراً من سمية غير دان

قال ابن شحنه الحنفي: في سنة (44هـ) استلحق معاوية زياداً وأثبت نسبه من أبي سفيان بشهادة أبي مريم الخمّار أنه زنى بسمية البغي وحملت منه، وكان زياد ثابت النسب من عبيد الرومي، وشق ذلك على بني أمية، ولاه معاوية البصرة والكوفة وخراسان وسمنان والهند والبحرين وعمان، وظلم وفجر وقويت به شوكة معاوية، وكان معاوية وعماله يسبون علياً (عليه السلام) على المنابر، وكان من عادة حجر ابن عدي إذا سبوا علياً عارضهم وأثنى عليه، ففعل كذلك في إمرة زياد للكوفة فأمسكه وأرسل به مع جماعة من أصحابه إلى معاوية فأمر بقتله وثمانية من جماعته فقتلوا بقرية مرج عذراء قرب دمشق، وعظم ذلك على المسلمين، انتهى.

وكان زياداً هذا يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطردهم وشردهم.

خلف زياد ابن أبيه ابنه عبيد الله بن مرجانة الذي كان والياً على الكوفة وما جرى منه على الإمام الحسين (عليهم السلام) وأهل بيته وشيعته أشهر من أن يذكر. انظر الكنى والألقاب: ج1 ص301 (ابن زياد).