الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

المقومات الفردية للإصلاح

الخامس والعشرون: الاهتمام بالمقومات الفردية للإصلاح، فإن ما يرتبط بالإنسان الفرد في التيار الإصلاحي أمور، منها:

عدم تأييد الظلمة

أن لا يكون الإنسان جزءً من هؤلاء الحكام الظلمة، ولا مؤيداً لهم، فإنه ركون إلى الظالمين قال الله سبحانه: ((ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار))[1].

وفي الحديث: «لا تلق لهم دواةً ولا تبر لهم قلما».

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ينادى يوم القيامة أين الظلمة وأعوانهم، حتى من لاق لهم دواةً، أو برى لهم قلماً، تجمعون في تابوت، فتلقون في النار»[2].

وقد اعترض الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) على الجمال الذي كان يكري جماله لهارون وجماعته وإن كان يذهب بها إلى الحج.

عن صفوان بن مهران الجمال قال: دخلت على أبي الحسن الأول (عليه السلام) فقال لي: «يا صفوان، كل شي‏ء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً». قلت: جعلت فداك، أي شي‏ء؟. قال (عليه السلام): «إكراؤك جمالك من هذا الرجل» ـ يعني هارون ـ.

قلت: والله ما أكريته أشراً ولا بطرا،ً ولا للصيد ولا للهو، ولكني أكريته لهذا الطريق ـ يعني طريق مكة ـ ولا أتولاه بنفسي، ولكني أبعث معه غلماني.

فقال (عليه السلام) لي: «يا صفوان، أيقع كراؤك عليهم؟ ».

قلت: نعم، جعلت فداك.

قال: فقال (عليه السلام) لي: «أ تحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ ».

قلت: نعم.

قال (عليه السلام): «من أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان ورد النار».

قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها.

فبلغ ذلك إلى هارون فدعاني، فقال لي: يا صفوان، بلغني أنك بعت جمالك.

قلت: نعم.

قال: ولم؟.

قلت: أنا شيخ كبير، وإن الغلمان لا يفون بالأعمال.

فقال: هيهات هيهات، إني لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر.

قلت: ما لي ولموسى بن جعفر.

فقال: دع هذا عنك فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك[3].

وفي الحديث: أنه دخل على الإمام الصادق (عليه السلام) رجل فمت له بالأيمان أنه من أوليائه فولى عنه بوجهه، فدار الرجل إليه وعاود اليمين فولى عنه، فأعاد اليمين ثالثة، فقال له (عليه السلام): «يا هذا من أين معاشك؟ » فقال: إني أخدم السلطان وإني والله لك محب، فقال (عليه السلام): «روى أبي عن أبيه عن جده عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من السماء من قبل الله عزّ وجلّ: أين الظلمة؟ أين أعوان أعوان الظلمة؟ أين من برى لهم قلماً؟ أين من لاق لهم دواة؟ أين من جلس معهم ساعة؟ فيؤتى بهم جميعاً، فيؤمر بهم أن يضرب عليهم بسور من نار، فهم فيه حتى يفرغ الناس من الحساب، ثم يرمى بهم إلى النار»[4].

وعن وهب بن عبد ربه، وعبيد الله الطويل، عن شيخ من النخع قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إني لم أزل والياً منذ زمن الحجاج إلى يومي هذا، فهل لي من توبة؟. قال: فسكت ثم أعدت عليه. فقال (عليه السلام): «لا، حتى تؤدي إلى كل ذي حق حقه»[5].

وعن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لما حضر علي بن الحسين (عليه السلام) الوفاة، ضمني إلى صدره ثم قال: يا بني، أوصيك بما أوصاني به أبي (عليه السلام) حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أن أباه أوصاه به، قال: يا بني، إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله»[6].

وعن سعيد بن أبي الخضيب البجلي قال: كنت مع ابن أبي ليلى مزامله، حتى جئنا إلى المدينة. فبينا نحن في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إذ دخل جعفر بن محمد (عليه السلام) فقلت لابن أبي ليلى: تقوم بنا إليه. فقال: وما نصنع عنده؟. فقلت: نسائله ونحدثه. فقال: قم. فقمنا إليه فساءلني عن نفسي وأهلي، ثم قال (عليه السلام): «من هذا معك؟ ». فقلت: ابن أبي ليلى، قاضي المسلمين. فقال (عليه السلام): «أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين». قال: نعم. قال (عليه السلام): «تأخذ مال هذا فتعطيه هذا، وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه، لا تخاف في ذلك أحداً». قال: نعم. قال (عليه السلام): «فبأي شي‏ء تقضي». قال: بما بلغني عن رول الله (صلّى الله عليه وآله) وعن علي (عليه السلام) وعن أبي بكر وعمر. قال (عليه السلام): «فبلغك عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: إن علياً (عليه السلام) أقضاكم». قال: نعم. قال (عليه السلام): «فكيف تقضي بغير قضاء علي (عليه السلام)، وقد بلغك هذا. فما تقول إذا جيء بأرض من فضة، وسماوات من فضة، ثم أخذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيدك فأوقفك بين يدي ربك، وقال: رب إن هذا قضى بغير ما قضيت». قال: فاصفر وجه ابن أبي ليلى، حتى عاد مثل الزعفران. ثم قال (عليه السلام) لي: «التمس لنفسك زميلاً، والله لا أكلمك من رأسي كلمةً أبداً»[7].

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب.

التسهيل في أمر الزواج

ومن تلك الأمور المرتبطة بالفرد في إطار التيار الإصلاحي: أن لا يتشدد في أمر زواج ابنته أو ولده، بكثرة الشروط وصعوبتها والمهر الكثير وما أشبه ذلك.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أفضل نساء أمتي أصبحهن وجهاً وأقلهن مهراً»[8]. وقال (صلّى الله عليه وآله): «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه»[9].

وعن الحسين بن بشار الواسطي قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) أسأله عن النكاح، فكتب إليًّ: «من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته، فزوجوه ((إِلاًّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ))[10] »[11].

وعن علي بن مهزيار قال: كتب علي بن أسباط إلى أبي جعفر (عليه السلام) في أمر بناته، وأنه لا يجد أحداً مثله، فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام): «فهمت ما ذكرت من أمر بناتك، وأنك لا تجد أحداً مثلك، فلا تنظر في ذلك رحمك الله، فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه، فزوجوه ((إِلاًّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ))[12] »[13].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) زوج المقداد بن الأسود الكندي، ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وإنما زوجه لتتضع المناكح، وليتأسوا برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وليعلموا أن أكرمهم عند الله أتقاهم»[14].

إلى غير ذلك من المفاهيم الإسلامية المذكورة في باب النكاح والزواج.

التعاون

ومنها: أن يتعاون الإنسان في الأمور التي تحتاج إلى التعاون، حتى في مثل صنع (السجاد) وبناء الدار والمدرسة والمسجد والحسينية وما أشبه ذلك، قال الله سبحانه: ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان))[15].

كما يلزم على المسلم أن يتواصل مع إخوته المسلمين ويتعاطف معهم.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل، والتعاون على التعاطف، والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمركم الله عزّ وجلّ ((رحماء بينهم))[16]، متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) »[17].

وعن شعيب العقرقوفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأصحابه: «اتقوا الله وكونوا إخوةً بررةً، متحابين في الله متواصلين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه»[18].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «تواصلوا وتباروا وتراحموا، وكونوا إخوةً أبراراً كما أمركم الله عز وجل»[19].

وعن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «تواصلوا وتباروا وتراحموا وتعاطفوا»[20].

العمل دائما

كما يلزم على كل إنسان أن يعمل دائماً، من المرأة الكبيرة ولو الغزل بالمغزل، إلى الشاب وحتى الأولاد من البنين والبنات، بما يناسب شأن كل واحد منهم..

فقد أكد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر الأئمة (عليهم السلام) على ضرورة العمل وذم البطالة، فقد كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) قبل بعثته الشريفة يعمل برعي الأغنام أحياناً، كما كان يذهب إلى الشام للتجارة أحياناً أخرى.

والإمام علي (عليه السلام) بعد استيلاء القوم على الخلافة وغصبها كان يزرع ويغرس الأشجار ويحفر الآبار والعيون مما آثاره باقية إلى يومنا هذا.

وأما فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقد كانت تطحن وتخبز وتدير الرحى، وكانت تقوم بسائر الشؤون المنزلية كما كانت تقوم بالغزل أحياناً.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله»[21].

إلى غير ذلك من المفردات التي لو جمعت لصارت كتاباً ضخماً.

[1] سورة هود: 113.

[2] مستدرك‏ الوسائل: ج13 ص135 ب35 ح14974.

[3] راجع وسائل الشيعة: ج17 ص182-183 ب42 ح22305.

[4] غوالي اللآلي: ج4 ص69 الجملة الثانية في الأحاديث المتعلقة بالعلم وأهله وحامليه ح31.

[5] بحار الأنوار: ج72 ص329 ب79 ح59.

[6] وسائل الشيعة: ج16 ص48 ب77 ح20945.

[7] تهذيب الأحكام: ج6 ص220-221 ب87 ح13.

[8] الكافي: ج5 ص324 باب خير النساء ح4.

[9] تهذيب الأحكام: ج7 ص394 ب33 ح2.

[10] سورة الأنفال: 73.

[11] وسائل الشيعة: ج20 ص77 ب28 ح25075.

[12] سورة الأنفال: 73.

[13] غوالي اللآلي: ج3 ص340 ق2 كتاب النكاح ح254.

[14] تهذيب الأحكام: ج7 ص395 ب33 ح6.

[15] سورة المائدة: 2.

[16] سورة الفتح: 29.

[17] الكافي: ج2 ص175 باب التراحم والتعاطف ح4.

[18] بحار الأنوار: ج71 ص401 ب28 ح45.

[19] وسائل الشيعة: ج12 ص216 ب124 ح16120.

[20] الكافي: ج2 ص175 باب التراحم والتعاطف ح3.

[21] وسائل الشيعة: ج17 ص40-41 ب9 ح21930.