فهرس الكتاب

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الاجتماع

الصفحة الرئيسية

 

بحوث في الاقتصاد الاجتماعي

 نلمع في هذه المسألة إلى أنه كيف بدء الاقتصاد في المجتمع؟ وكيف تطور؟ ولماذا وجدت المؤسسات الاقتصادية؟ وما هي الكيفية الاقتصادية في العصر الحاضر [عصر المعامل والمصانع]؟ ومن أين المشكلة؟ وما هو الحل؟

حاجات الإنسان  

طبيعة الإنسان التي خلقها الله سبحانه، فيه الاحتياج إلى الأكل، واللباس والمسكن، والزواج، والعقيدة، لأن الإنسان بدون الأكل يموت، واللباس يقيه الحر والبرد، والمسكن يقيه الحيوانات، بالإضافة إلى أنه يقيه الحر والبرد والأعداء و… والزواج حالة اندفاعية في الإنسان لا يتمكن أن يصبر عليها، والعقيدة فطرية، فإنه حيث يرى الكون ينقدح في ذهنه، كيف وجد؟ ومن أوجده؟ وإلى ما يكون آخره؟

فمن احتياج الإنسان إلى الأكل نشأ صيده الحيوانات، واقتطافه فواكه الأشجار، والأعشاب، ورعيه للحيوانات كالأغنام، وزرعه، ولا فرق بين أن يكون ألهم ذلك، كما يعتقده أهل الأديان، أو تدرج إلى الزرع والرعي ـ فإنه في كلا الحالين احتاج في مأكله إلى كل ذلك ـ.

ومن احتياجه إلى اللباس، صنع الجلد والورق والصوف، وما أشبه لباساً، ومن احتياجه إلى المسكن، اتخذ الكهف، والكوخ، وصنع بيوتاً في الغابة، ودوراً من الجلد، والثلج ـ كما في الإسكيمو ـ كما صنع دوراً من الطين ونحوه.

ونشأ من احتياجه إلى الزواج، أحكام بهذا الشأن… كما نشأ من العقيدة العبادة والخضوع لمن رآه إلهاً.

وقد أحدث الإنسان لرفع حاجاته آلة الصيد، وآلة قطع الأشجار، وآلة الطبخ، ووجد السبيل إلى النار، كما أن نزاعه [وهو طبيعي للإنسان] هداه إلى آلة المحاربة، ومن كل ذلك حدثت أحكام السلم والحرب، وأحكام القضاء وأحكام التبادل وأحكام الزواج والطلاق، وأحكام الولادة والموت، وأحكام تقسيم المال لدى الموت.

ومن الاحتياج إلى مسائل الحفظ والدفاع والهجوم، وقطع المنازعات وما أشبه، حدثت الحكومة… كما أن من فطرة الإنسان الملكية الخاصة، ولذا حدثت الأحكام الخاصة بذلك.

كما أن سفره وحضره في البر والبحر، هداه إلى تذليل الحيوانات لحمله كالفرس، وصنع السفن… ومن هنا تولدت الموازين الاقتصادية.

تكامل جوانب الحياة  

وحيث قام الدليل على الإله وأنبيائه، فالمتدينون يصدقون بأن الله ألهم أنبيائه كيفية الحياة وأحكامها، نعم لاشك في حصول التكامل في كل جوانب الحياة حتى وصلت النوبة إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله، حيث قال: [بعثت لأتمم مكارم الأخلاق](1) وحيث لم يكن هم الأنبياء صنع مواد الحياة اهتموا بالجانب الذي بعثوا له أي تعليم الإنسان الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة.

وإنما تكاملت الحياة الاجتماعية والاقتصادية و… تدريجاً إلى أن وصلت إلى هذه الحالة التي نشاهدها من الوسائل والأسباب والآلات، أما توهم [الإنسان المتسلسل من نسل القرد] و [تدرج الحياة] على ما ذكره دارون وماركس، فقد قامت الأدلة العلمية على أنها عاريان عن الدليل، بل الأدلة الأكيدة متوفرة على خلافهما.

عصر الآلة  

ومنذ قرون قريبة أخذت المعامل والمصانع، ووسائل التجارة تملأ مكان الوسائل السابقة اليدوية وغيرها، وقد هدي الإنسان إلى صنع الوسائل المذكورة من أجزاء لا شيئاً واحداً لما في جعلها أجزاء من فوائد، مثل:

1 ـ سهولة صنع الأجزاء وتركيبها، بخلاف صنعها بدناً واحداً.

2 ـ واحتياج البدن الواحد إلى أزمنة متطاولة في صنع كل بدن بدن، بينما يمكن صنع ملايين الأجزاء لألوف الأبدان في زمان واحد، أو أزمنة قصيرة، وذلك بصنع قوالب كثيرة للأجزاء، وإفراغ تلك القوالب للأجزاء مرة واحدة أو ما أشبه ذلك.

3 ـ الحمل والنقل للأجزاء سهل، بينما حمل الأبدان ـ في الآلات الكبيرة ـ صعب جداً.

4 ـ يمكن تكميل الآلة، بتكامل أجهزتها، بينما إذا كان لها بدن واحد كان التكميل صعباً وموجباً لتبديل الجهاز.

5 ـ إذا عطب الجهاز يمكن تبديل ما عطب من أجزائه، أما إذا كان بدناً واحداً كان الإصلاح صعباً، أو لم يمكن إصلاحه مما يسبب ضرر المستهلك.

6 ـ يمكن لمن رأس ماله قليل أن يوجد الأجزاء، بينما إذا كان بدناً واحداً، لم يتمكن من ذلك إلا أصحاب الرأسمال الكبير، أو بالاشتراك في الأجهزة الكبيرة.

7 ـ لا يتمكن من يصنع الأجزاء من الضغط الاستعماري أو الاستغلالي على المستهلك، حيث تتوفر الأجزاء، بينما إذا كان بدناً واحداً كان بأيدي قلة مما يمكنهم من الضغط والاستعمار والاستغلال.

8 ـ إذا عطب الجهاز الكبير بما لا يمكن إصلاحه، يمكن الاستفادة من أجزائه غير المعطوبة بينما لم يكن الأمر كذلك إذا كان بدناً واحداً… إلى غيرها من الفوائد.

المعامل تقضي على محورية العائلة والعشيرة  

وقبل صنع المعامل، كان الاقتصاد [غير التجاري والزراعي] يدور حول العائلة، حيث أن العائلة كانت هي وحدة العمل، فهي تغزل، وهي تنسج، وهي تربي الدواجن، وهي تطحن في المطاحن الحجرية هكذا، لكن حيث جاء دور المعمل، تبدل وضع الاقتصاد ووضع العائلة، فالاقتصاد تحول من الاقتصاد العائلي إلى الاقتصاد المعملي، والعائلة تبدلت من العائلة المجتمعة إلى العائلة المتفرقة، حيث أن أفرادها أصبحوا مشتتين في معامل متعددة، وكثيراً لا يرى بعضهم بعضاً إلا بالليل، أو في كل أسبوع مرة، وهكذا.

وكذلك تبدل الوضع في العشائر للسبب السابق، وبسبب آخر هو أن الولاء في العشائر كان لشيخ العشيرة، حيث أنه المبعث الطبيعي للأولاد والأحفاد ومن إليهم، فلما كثرت الثقافة من ناحية، وتفرق أفراد العشيرة في المصانع من ناحية ثانية تحول الولاء من العشيرة إلى ولاء النقابة بالنسبة إلى العمال، وإلى ولاء الحزب بالنسبة إلى المثقفين [حيث أن الثقافة لم تدع مجالاً للولاء العشائري المبني على اللحم والدم ـ فإن الثقافة مرتبطة بالروح، والروح مقدم على الجسد ـ].

لكن يجب أن يعرف أن التحول المذكور من العائلة والعشيرة، كان بسبب عدم تمكن الإنسان من استيعاب العلم في العصر الحاضر، والسبب أن الإنسان خرج عن كونه محوراً، وجعلت المادة ـ بدل الإنسان ـ المحور، وبذلك حرم الإنسان عن دفء العائلة ودفء العشيرة.

واللازم أن يرجع الإنسان إلى المحورية، بأن تنظم الحياة على كيفية إرجاع الإنسان إلى مكانته، وجعل المادة خادمة له، لا العكس، وهو ممكن بأن تجعل الوحدة العائلية مرتبطة بالمعمل، مع إعطاء العائلة أكبر مهلة للاجتماع بتقليص ساعات العمل… وكذلك تجعل الوحدة العشائرية مرتبطة بالحزب وكذلك الأمر بالنسبة إلى النقابة، وبذلك يتنعم الإنسان بالدفء الروحي بالإضافة إلى تنعمه بالمادة وخيراتها.

والظاهر أن مثل ذلك غير ممكن ما دامت الرأسمالية تلتهم الطاقات، وتستثمر المساعي، حيث الساعات الطويلة للعمل، والأجور الزهيدة ـ ونقصد بالرأسمالية كلا قسميها الشيوعية الشرقية والرأسمالية الغربية ـ فإن كلتيهما تستهلك سعي العاملين، وتستثمر الإنسان تحت أغطية مختلفة ـ.

الصناعة في خدمة التجارة والزراعة  

ثم إن الصناعة لم تقدم حياة الإنسان في قسم الصناعات فقط، بل قدمتها في قسمي التجارة والزراعة أيضاً، حيث الآلات الحاسبة والتلفونات ووسائل الحمل والنقل، وغير ذلك، كما أن وسائل الحرث والزرع، والحصاد، وما أشبه قدمت الزراعة تقديماً كبيراً، ولذا تهتم الدول بالصناعة قبل اهتمامها بالزراعة، حيث أن الأولى تحسن الثانية دون العكس.

تحولات عصر الصناعة  

وفي عصر الصناعة حدث تحول كبير:

1 ـ باندثار الوسائل السابقة، وإخلائها مكانها إلى المعامل الحديثة.

2 ـ ظهور مؤسسات جديدية أمثال الشركات والنقابات والبنوك ونحوها.

3 ـ ظهور الرأسماليات الكبيرة الموجبة للاستغلال والاستعمار.

فإن الرأسمالية المنحرفة سببت استغلال الإنسان، مما سبب ظهور طبقتين حادتين، طبقة الرأسماليين وطبقة الفقراء، وبذلك حدث رد فعل عنيف وخاطئ ضد رأس المال، هو ظهور الشيوعية، حيث أعطت رأس المال بيد الدولة أي جمعت في يد فئة خاصة المال والقوة، بعد أن كانت بيد فئتين، وبذلك بلغت مأساة الإنسان إلى أبعد درجة متصورة.

الاستعمار وليد الرأسمالية  

أما كيف سببت الرأسمالية الاستغلال والاستعمار؟ فذلك من جهة أنها نفذت في السياسة والقانون والأحزاب والصحف وما أشبه، فجعلت توجه الحياة، حسب ما تشتهي [من بقاء رأس المال المنحرف وزيادته] فلم تجد الطبقة العاملة ـ في الزراعة والصناعة، بل وحتى مثل الموظف والمعلم ونحوهما ـ من ينتصر لها ضد انحراف رأس المال.

كما أن قوة رأس المال سببت قوة السلاح والدعاية وما أشبه، مما وجدت السبيل إلى بلاد الأجانب واستعمارها ـ من غير فرق في ذلك بين الرأسمالية المنحرفة الغربية، والرأسمالية الأكثر انحرافاً: الشرقية ـ وإنما نقول الأكثر انحرافاً، لأن الأولى تغلفت ببعض الحرية، بينما الثانية رفضت ذلك وتظاهرت بالديكتاتوريةـ.

الإسلام هو الخلاص  

والطبقة الفقيرة ـ وهم الأكثرية الكاسحة من البشر ـ وكذلك الطبقة المستعمرة، لا علاج لهم في التخلص من شرور الرأسمالية ـ بقسميها ـ ومن شرور الاستعمار الشرقي والغربي إلا بالمنهج الذي وضعه الإسلام، لا للمال فحسب، بل ولسائر الشئون، ومرادنا الآن التكلم في المال، والمنهج هو:

1 ـ أن يكون المال بازاء خمسة أشياء، العمل الفكري، والجسدي، والمواد، والعلاقات، وشروط الزمان والمكان، وبذلك يكون المال بقدر السعي ونحوه فلا تحدث الرأسمالية الكبيرة.

2 ـ أن يكون الرأي محترماً، فالحكم وسائر الشئون بأكثرية الآراء الحرة… وبهذين تخفي الرأسمالية الوالدة، والشيوعية الوليدة، وتنتهي مأساة البشر من هذه الجهة.

ضرورة التوازن بين المستوى الصناعي والزراعي  

ثم إن تقدم الصناعة أوجب تأخر الزراعة، اذ المعامل جلبت إلى نفسها كثيراً من أهل القرى والأرياف، حيث الأجور المرتفعة والأتعاب الأقل من أتعاب الزراعة، وحيث أن المدينة تتوفر فيها ما لا يتوفر في القرية من مختلف أسباب الحضارة، وهذا التأخر في الزراعة سبب جوع الإنسان، وقد ذكرت بعض الإحصاءات أن ربع أهل العالم يعيشون جائعين.

ولا علاج لهذا الأمر إلا بجعل مستوى الزراعة مساوياً لمستوى الصناعة من جهة الأجور، ومن جهة الجهد، بالإضافة إلى توفير وسائل الحضارة الممكنة في القرية حتى لا تكون المدينة أرجح من القرية بحد الإغراء، وذلك ممكن بالدعاية لمحاسن القرية التي تفقدها المدينة، و… مما يسبب حفظ التوازن ـ ولو بقدر ـ بين المدينة والقرية.

وإن لم يعالج هذا الأمر علاجاً جذرياً لزاد عدد الجائعين في العالم عاماً بعد عام، فقد دلت الإحصاءات على الانتقال الكبير من القرى والأرياف إلى المدن حتى أن الصين في عام [1940م] كان [90] بالمئة من جمعيتها يسكنون القرى، بينما تبدل ذلك في الحال الحاضر، وفي أمريكا في عام [1790م] كان سكان القرى والأرياف ما يقارب من [97] في المائة، بينما انعكس الأمر بعد ذلك، وهكذا.

الدين وعصر الآلة  

ثم إنه لما أخذت الصناعة مكان الزراعة والأعمال اليدوية، حدث تحول كبير في العالم المسيحي والبوذي ونحوهما، فإن الناس لما هجروا الأرياف إلى المدن، وكثرت الثقافة، نشأ جيل مثقف عرفوا خواء دينهم، وإنه لا يلائم العلم ولا يصلح للحياة، وقد زاد الأمر عرفانهم قضايا محاكم التفتيش وتحالف الحكام مع علمائهم ضد الناس ونحوها، مما سبب ابتعادهم عن الدين، وحسبانهم أنه خرافة وارتجاع واضطهاد للشعب، وجائت نظريات دارون وفرويد وماركس ومن أشبههم لتحاول قلع الدين عن جذوره.

وبذلك وقع الإنسان في مشكلة لا مثيل لها في التاريخ منذ أن حفظ… وقد حاولت الكنيسة رد الاعتبار، لكن عدم انسجامها مع العقل، وعدم وجود برامج عملية لها لتأمين حياة الناس، وجنوحها إلى الفخفخة والأبّهة، حالت دون ذلك، اللهم إلا صورة اعتبار زائف هو إلى الشكليات أقرب منه إلى الحقائق وزاد الأمر إعضالاً: أن الكنيسة أصبحت طليعة الاستعمار [أنظر: التبشير والاستعمار] مما نفر الناس أكثر.

وقد اجتاحت هذه الموجة [موجة الإلحاد والانحلال] العالم الإسلامي في حين غفلة من الحكام والقادة، فظن المسلمون أن دينهم مثل دين الكنيسة، بينما الإسلام:

1 ـ دين العلم.

2 ـ وله برامج تقدمية للحياة أبداً.

3 ـ ولم يكن يصافق الظالمين، بل كان ضدهم على طول تاريخه.

4 ـ ولم يكن في يوم ما استعمارياً.

وعلى هذا، فاللازم على المفكرين والقادة فرز الحسابات، حتى يعرف المتمردون خطأهم الكبير في اتباع المستعمرين، ويفهموا أن المغرب إنما تحرر ـ نسبياً ـ يوم أن رفض الدين، وأما المسلمون فقد استعبدوا ـ كلياً ـ يوم أن رفضوا الدين، سواء كان الرفض كلياً، أو في الجملة… وإذا عرفوا ذلك رجعوا إلى دينهم الذي فيه سيادتهم وسعادتهم.

الأخطبوط الرأسمالي يمتد إلى الريف  

ثم إن نظام رأس المال يؤثر في القرية لأجل ما يلي:

1 ـ تبديل الزراعة الحيوية، بالزراعة الاستغلالية، مثلاً القرية تزرع القمح لأجل الأكل، لكن رأس المال يريد زراعة القطن، لأنه أربح له، وبذلك يجوع الناس، ليمتلأ كيس رأس المال.

2 ـ بيع الصنائع لهم، وجعلهم أسواقاً استهلاكية، لتدر على رأس المال الأرباح.

3 ـ تدويل النقد بينهم ليستفيد من التلاعب بالنقد، ومن أرباح النقد الذي يوضع في البنوك، ومن الضرائب التي توضع عليهم، حيث أنه لو لم يتداول بينهم النقد لم يعرف قدر أموالهم، كما لم يستفد رأس المال من الضريبة على بضائعهم لصعوبة تحويل البضائع إلى النقد.

4 ـ تخلية القرية واستنزاف أهلها، لأجل استخدامهم في الصناعات، واستثمارهم بأجور هي أقل من حقهم الحقيقي، ولا يهمهم بعد ذلك أن يفسد الزرع، ويختل التوازن بين القرية والمدينة.

مضاعفات النظام الرأسمالي  

ثم إن النظام الرأسمالي:

1 ـ أفسد جو العائلة والعشيرة.

2 ـ وجعل العمل خواءاً لا معنى له ولا اشتياق إليه.

3 ـ وسلب العامل حقه.

4 ـ وأفسد العلاقة بين العامل والآمر.

5 ـ كما أفسد العلاقة بين بائع المواد الخام ومشتري البضاعة وبين الرأسمالي.

1 ـ أما إفساده جو العائلة والعشيرة فلما تقدم.

2 ـ أما جعل العمل خواءً، فلأن العامل في داره أو في معمله الصغير اليدوي ونحوه، كان يرى كل العمل مبدءاً وختاماً لأنه كان يكمل العمل من أوله إلى آخره وكان في ذلك لذة الإتمام، ولذة السيادة والتسلط على العمل، أما في المعمل الكبير، فقد أصبح العامل لا علاقة له بالعمل، من جهة أنه لا يرى مبدأه ولا منتهاه وقد صار بعمله الروتين كآلة صغيرة في المعمل، يلهث ساعات طويلة، بلا شوق ولا علاقة.

3 ـ وأما سلب العامل حقه، فلأن المالك له حقه بقدر الأمور الخمسة السابقة، وباقي الربح حق العمال، بينما العمال لا يتقاضون إلا بقدر لا يكفيهم حتى لأولياتهم، وإنما أتعابهم للرأسمالي، وإلا فمن أين له هذا الثراء الطويل؟ أما نقابات العمال فلا أثر لها في جو المجلس والحزب والقانون والقضاء، إذ كلها في خدمة الرأسمالي.

4 ـ وحيث علم العامل بأنه مسلوب الحق فسدت علاقته بالأمر الذي يسلبه حقه.

5 ـ وأما فساد العلاقة بين الثلاثة، فلأن كل واحد من بائعي المواد، ومشتري البضاعة يعلم بغبن الرأسمالي لهما، ولا علاج لهما من جهة تحالف الرأسماليين، في أن لا يشتروا الخام إلا بما يشاءون، ولا يبيعوا إلا بما يريدون.

وإذا اشتروا الخام من البلد وباعوا البضاعة عليه، كان ضرراً مزدوجاً على البلد، واستغلالاً مزدوجاً للبلد.

والعلاج لكل ذلك، أن يكون للعامل حقه، ولصاحب العمل حقه، ولصاحب المواد، والمشتري للبضائع حقهما، وينظم الأمر بحيث يرجع إلى المعمل الحالة الإنسانية التي كانت للعائلة وللمعمل الصغير أبان إنتاجهما، فيما كانا وحدة العمل، وبكلمة واحدة [أن يمنع الإجحاف] و [أن يكون الإنسان المحور بدل أن يكون المحور المال].

وإلا فنظام الرأسمالي [الأعم من الشيوعي، لأنه من أبشع أقسام الرأسمالية] أوجب المآسي العديدة، والتي منها:

1 ـ فقر أكثر سكان المعمورة.

2 ـ والجوع إلى حد الموت لملايين الناس.

3 ـ والبطالة في قطاعات كبيرة من البشر.

4 ـ وهدم العائلة.

5 ـ والفساد، حيث تضطر الفقيرات والأولاد الفقراء إلى بيع أبدانهم للذة من ناحية، ويفتح الرأسماليون المواخير ومراكز الشذوذ للمزيد من المال من ناحية أخرى.

6 ـ والطبقية الحادة في كل من النظامين الغربي والشرقي.

7 ـ وإشعال الحروب.

8 ـ والثورات.

9 ـ والانقلابات.

10 ـ والاستعمار بمختلف أشكاله.

وليست النجاة بما زعمه الغرب من إيجاد [النظام الاشتراكي الديمقراطي] كما فعلوا في اليابان وفرنسا، ولا بما زعمه الشرق من المشي خطوات إلى الرأسمالية والحرية، فإن كلا الأمرين لا يقطع جذور المشكلة والتي تقدم من أنها [الإجحاف، وكون المال المحور]… وقد ذكرنا تفصيل جذور المشكلة وعلاجها في كتاب: [فقه الاقتصاد] بما لا داعي إلى تكراره.

المنطق الرأسمالي والمنطق الشيوعي  

أما استدلال الرأسماليين ـ بكلا قسميه الغربي والشرقي ـ لصحة رأس المال فلا يعدو أن يكون عدم تقييم للواقع، فقد استدل الغربيون:

أ ـ بأن اختلاف الطبقات من طبيعة الإنسان.

ب ـ وأن كثرة أموال الرأسماليين هي مقتضى ذكائهم، بينما الطبقة الفقيرة لا ذكاء لها مثل أولئك، ولذا تأخروا.

ج ـ وأن رأس المال مخزن للأعمال الكبيرة، فلو قضي عليه توقف التقدم.

د ـ وأنه لو لم يؤذن للرأسمالي أن يسير قدماً ـ بأن حدد ـ لم يكن له شوق فيخسر الإنسان طاقاته الخلاقة، ولا يربح بازاء ذلك شيئاً.

كما استدل الشرقيون، بأنه لو لم يكن المال: [الإنتاج] و [التوزيع] بيد الدولة، تحت ظل حكومة ديكتاتورية ـ يكون كل الناس عمالاً لها ـ لاستغل المال الأثرياء، ويكون ذلك بضرر أكثرية الشعب.

مناقشة في المنطقين  

وفي كلا الدليلين نظر، إذ:

أ ـ ليس اختلاف الطبقات من طبيعة الإنسان، ومن أين يمكن إثبات ذلك؟ بل الاختلاف فوق الحق ظلم وأكل لأموال الناس بالباطل، والظلم خلاف طبيعة الإنسان.

ب ـ وهل كثرة أموال الرأسمالي بقدر ذكائه؟ إن هذا شيء دل الإحصاء على خلافه، بل الوجدان أيضاً يدل على عدم صحته.

ج ـ والأعمال الكبيرة إنما تقام بالمال لا برأس المال المنحرف، ويمكن تجميع المال بالشركات التي يساهم فيها أصحاب الحقوق، لا الذين استغلوا أموال الناس تحت راية رأس المال.

د ـ وهل يشوق الملايين بإعطائهم حقهم؟ أو يشوق قلة باستغلال سائر الناس؟ وأيهما أكثر إنتاجاً، وأحمد عاقبة… ثم إذا أعطينا المال بيد الدولة ألم نجمع إلى مآسي الرأسمالية [الاستغلال] مأساة الديكتاتورية؟ أليس هذا الحال كالفرار من الرمضاء إلى النار؟

مآخذ على النظامين: الغربي والشرقي  

ومن المآخذ على نظام رأس المال الغربي، ونظام رأس المال الشرقي أن الأول يوجب الأزمة الاقتصادية المنتهية إلى بطالة وجوع كثير من العمال، والثاني يجيع العامل والفلاح دائماً، بدون أن يقدروا على الاعتراض والشكاية.

أ ـ أما الأزمة، فهي تنشأ من زيادة العرض على الطلب حيث أنه:

1 ـ ليس للأثرياء تخطيط منسق في الإنتاج.

2 ـ ولا نظام صحيح للاقتصاد [بأن يعطى العمال قدر حقهم] فيقوم كل ثري بإنتاج البضائع، مما يوجب زيادة البضائع على الحاجة، وحينذاك ينزل السوق، ويرى الثري أنه لا فائدة من الإنتاج، فيوقف العمل ويطرد العمال، وبذلك تنتشر البطالة، ولا يجد العامل ما يقوت به نفسه وعائلته.

وقد عالج الغرب هذه المشكلة علاجاً جانبياً، بإعطاء العمال ـ بسبب النقابات ـ عند الأزمة، شيئاً قليلاً يقيت به نفسه وعائلته، لكن ذلك لا يعالج البطالة، كما لا يعالج هدر الطاقات الإنتاجية، وربما يعالج ذلك بالتخطيط المنسق للإنتاج، لكن ذلك لا يعالج هدر الطاقات الإنتاجية أيضاً، إذ الطاقة كبيرة، والاحتياج أقل، فإما أن يوزع هدر الطاقات إلى أمد بعيد، وإما أن يجمع هدر الطاقة لأيام الأزمة.

مثلاً: إذا كان الاحتياج بقدر ستة اشهر من العمل، فالستة الأخرى زائدة عن الحاجة، ولا فرق في ذلك بين أن توزع الستة الزائدة على طول السنة، كأن يعمل في يوم، ويترك في يوم، أو يعمل ستة أشهر، ويترك ستة أشهر.

ب ـ وأما الإجاعة، فــإن الشرق جمع بـيــن رأس المال والدولة، وبذلك يستغل العامل والفلاح، بإعطائهم شيئاً قليلاً من إنتاجهم، واستئثاره بنفسه لبقية الإنتاج، والشيء القليل لا يكفي لحاجات العمال والفلاحين، وبذلك يجوع العامل والفلاح، طول عمره، ولا يقدر حتى على الاعتراض، حيث أن الخصم هو الحكم.

والنتيجة في النظامين واحد، وإن كان بينهما فرق صوري، فالنظام الرأسمالي الغربي فيه شيء من الحرية الصورية، وشيء من الشبع في قبال الإجاعة والبطالة في أيام الأزمة، والنظام الرأسمالي الشرقي فيه إجاعة دائمة ودكتاتورية مطلقة في قبال عدم البطالة وعدم الأزمة.

جوهر المشكلة  

وجوهر المشكلة في النظامين:

1 ـ عدم إعطاء العامل والفلاح حقهما.

2 ـ وعدم توزيع المال توزيعاً عادلاً، فالثروة جعلت لكل البشر ـ المعاصر والآتي ـ بينما النظام الشرقي والغربي يأخذ كل حق الجيل الحاضر، وشيئاً كبيراً من حق الجيل الآتي، ثم يصرف بعضاً مما أخذه على الشعب ويصرف بعضه الآخر في الفساد والإفساد وبالحروب والإسراف ونحوها ـ.

مثلاً: أوقف والد بستاناً على أولاده الحاضرين، وأولاده الآتين، ولنفرض أنهم عشرة أجيال، في كل جيل عشرة، والبستان يعطي في كل عام ألف دينار بحيث إذا وزع الناتج توزيعاً عادلاً، كان لكل ولد مأة دينار، إلى آخر الأجيال فإذا أجر الجيل الأول البستان لمائة سنة [ولنفرض أن عشرة أجيال تدوم مأتي سنة] بخمسة آلاف دينار، ثم ثلاثة من الجيل الأول استبد بأربعة آلاف وسبعمائة وتسعين ديناراً كان معنى ذلك [أولاً] استهلاك هؤلاء الثلاثة حق أربعة أجيال آتية و[ثانياً] استهلاك هؤلاء الثلاثة بعض حق سبعة من جيلهم، أي أعطى الثلاثة لكل من السبعة [ثلاثين] بينما كان حق كل واحد من السبعة [مائة].

فإذا أردنا العدالة في الثروة يلزم:

1 ـ أن نلاحظ حق هذا الجيل في الثروات المختزنة في الأرض حتى لا يؤخذ أكثر من حقهم تعدياً على حقوق الأجيال الآتية.

2 ـ توزع هذه الثروة على النطاق العالمي، لا النطاق القطري، حتى لا يبقى جائع وفقير.

3 ـ يوزع الإنتاج على العامل والمدير وغيرهما كل بقدر حقه، لا أن يستبد الرأسمالي الغربي، والدولة الشرقية بأكثرية سعي العمال والفلاحين.

وعند ذلك لا يكون:

1 ـ فقر.

2 ـ ولا إسراف.

3 ـ ولا ظلم الجيل والأجيال.

4 ـ ولا البطالة.

5 ـ ولا الأزمة.

6 ـ ولا فساد ـ وقد ذكرنا تفصيل ذلك في [كتاب الاقتصاد].

وهذا الأمر ممكن إذا:

أ ـ إذا دخل الإيمان بالله، والخوف من الحساب القلوب.

ب ـ واتبع النظام الإسلامي في المعاملات والانتفاع بالمباحات، وفي غيرهما مما يرتبط بالمقام من القوانين الإسلامية.

قال سبحانه: (خلق لكم)(2) وقال تعالى: (ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين)(3).

وقال عز من قائل: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً)(4).

ولا يخفى أن الضنك لا يصيب الفقراء فقط بذنب الأغنياء، بل يصيب الأغنياء المنحرفين أيضاً، الضنك من نوع آخر:

1 ـ ضنك الفقراء حولهم.

2 ـ والضنك السأم، ولذا يكثر فيهم الانتحار، بل قد دلت بعض الإحصاءات على أن أعداد المنتحرين من أولاد الأثرياء أكثر من أعدادهم من أولاد الفقراء.

3 ـ وضنك الكبرياء والغرور، حيث تضيق الأرض عليهم بما رحبت، من جهة المنافسات، ورؤية النفس فوق مقدارها.

4 ـ وضنك الخسارة أحياناً.

5 ـ وضنك حفظ المال وإنمائه.

6 ـ وضنك الضرائب.

7 ـ وضنك تشتت العائلة، حيث أن الأغنياء تتشتت عائلتهم غالباً، لأن اعتماد كل فرد على العائلة تتحول إلى اعتماده على الثروة.

8 ـ وضنك أمراض الأغنياء، أمثال: السمنة، وقرحة المعدة، والسكر، والمفاصل، والنقرس.

9 ـ وضنك اختلال الأولاد، حيث أن إكثارهم من الملذات يؤثر في نسلهم.

10 ـ وضنك إحاطة عداء الفقراء بهم… هذا بالإضافة إلى: (ونحشره يوم القيامة أعمى، قال: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى)(5).

لكن هذه الأنواع من الضنك، إنما هي إذا لم يؤمن بالله، أو لم يأخذ المال من حله أو وضعه في غير حله، وإلا كان المال نعمة، وأسباب الرفاه، وقد سماه الله سبحانه [خيراً] في آيات متعددة، وفي الشعر المنسوب إلى الإمام عليه السلام:

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا             وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

ثم إنه قد زعم بعض علماء الاجتماع أن المذهب البروتستانتي إنما ظهر حلاً وسطاً بين الدين المسيحي والمدنية في عصر الصناعة ورأس المال، وعلله بأن مذهب الكاثوليك لم يكن يلائم عصر رأس المال، لأنه لم يكن يبيح الرأسمالية، والربا، والصناعة… لكن الاطلاع على تاريخ البروتستانت ينفي ذلك، فإنه ظهر فراراً من احتكار الكاثوليك الدين للأحبار والرهبان، ومن التشديد غير المستند إلى كتابهم الذي كان يمارسه العلماء المسيحيون، ولذا أخذ لوثر في ترجمة الكتاب وأباحه للكل، خلافاً لتشديد الباب ضده، ثم كان الكاثوليك يبيح الرأسمالية والربا، ولذا كانت أموال الكنيسة تجمع من أمثالهما.

نعم لاشك أن رأس المال أولد:

1 ـ امتداداً بالصهيونية.

2 ـ ورد فعل بالشيوعية، وأكثر فجائع العصر الحاضر، مستند إلى هذا الثلث: الوالد وولداه، وكل الثلاثة مشتركة في:

1 ـ امتصاص الثروات.

2 ـ الإفساد لها.

3 ـ امتصاص أتعاب الناس ببدل أقل من العدالة.

4 ـ ويتبع ذلك الفقر والمرض والجهل، والفوضى، وهدم العائلة وإشاعة المفاسد الأخلاقية، والتأخر للأغلبية الكاسحة من الناس.

وإن كانت تختلف اختلافاً غير جوهري، فالشيوعية أكثر ديكتاتورية وإجاعة والرأسمالية أكثر استعماراً واستغلالاً، والصهيونية أكبر مكراً وأكثر عنصرية وحيث ذكرنا في كتاب: [الفقه ـ الاقتصاد] أضرار الشيوعية والرأسمالية، وفي كتاب [هؤلاء اليهود] أخطار الصهيونية، فلا حاجة إلى إعادة الكلام حول أضرار الثلاثة، بما هو خارج عن علم الاجتماع الذي بصدده هذا الكتاب.

ثم إن بعض علماء الاجتماع الذين تأثروا بالرأسمالية قالوا إن الأزمة الاقتصادية [كما تقدم تفصيلها] وإن كانت ضارة من جهة إلا أنها نافعة من جهة أخرى، وهي أنها توجب تصفية العمال، بإخراج المرضى والشيبة والكسالى وما أشبه، لأنه إذا انتهت الأزمة استرجع أصحاب المعامل الصالحين من العمال فقط.

ويرد على هذا الكلام:

(أولاً): أن الأزمة توجب البطالة والتأخر في المعيشة لعشرات الألوف من الصالحين للعمل، فما ذنب هؤلاء؟

و(ثانياً): أن اللازم سن قانون إحالة غير الصالحين إلى التقاعد، لا الانتظار بهم إلى أيام الأزمة، فما ذنب الشيبة والمرضى حتى يعملوا ويحملوا فوق طاقتهم إلى أيام الأزمة؟

الاقتصاد الإسلامي  

بقي شيء، وهو أن الإسلام له طريق آخر في الاقتصاد هو غير الرأسمالية الغربية والشيوعية والاشتراكية والتوزيعية، وهذه الطريقة مستقاة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهي تعطي:

1 ـ توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، بحيث لا يأكل جيل حق جيل، ولا جماعة حق آخرين من معاصريهم.

2 ـ عدم اكتساب الثروة بالاستغلال، أو صرفها في ما يضر ويفسد.

3 ـ عدم بقاء فقر وحاجة معطلة.

4 ـ جعل الثروة لتقدم الكل، وذلك لأنه حيث يكون التوزيع عادلاً [كل بقدر حقه] تظهر الكفاءات الموجبة للتقدم العام.

أما الثروة في الحال الحاضر، فلا توجب إلا تقدم الرأسماليين، ومن إليهم، أو أعضاء الحزب الشيوعي، ومن في فلكهم، وبذلك بقيت أكثر الكفاءات الإنسانية معطلة.

وكما أنه إذا كان العلم خاصاً بجماعة، يحرم البشر من طاقات الآخرين العلمية الكامنة.

وكما أنه إذا كان الحكم استبدادياً بيد قلة، كبتوا الناس فلم تظهر طاقاتهم.

كذلك الثروة، فإنها حيث تكون بيد قلة لا تظهر الطاقات الكامنة في الآخرين وفي الحال الحاضر حيث أن كلا من الحكم والعلم والمال بيد قلة من البشر، حرم الإنسان من مواهب كامنة، لا تعد ولا تحصى… ضرر ذلك لا يرجع إلى المحرومين فقط ، بل إلى الحارمين أيضاً، إذ الاختراع والاكتشاف وأسباب الصحة وغيرها، ليست نصيب بعض البشر، بل نصيب الكل، فما لم يظهر منها يحرم الكل منه.

 

1 ـ مكارم الأخلاق: المقدمة.

2 ـ سورة البقرة آية 29.

3 ـ سورة الإسراء آية 26.

4 ـ سورة طه آية 124.

5 ـ سورة طه آية 124.