فهرس الكتاب

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 الاجتماع

الصفحة الرئيسية

 

دور الثقافة في حركة المجتمع

ثم إن الثقافة الاجتماعية لها حالة التأثير، والإنسان له حالة التأثر، والتأثير والتأثر قد يكون عميقاً، وقد يكون سطحياً، والعميق قد يكون سريعاً، وقد يكون بطيئاً:

1 ـ فالطفل يتأثر بثقافة الاجتماع سريعاً، لأن ذهنه لم يغرس فيه ثقافة غيرها، حتى يصعب إزالة تلك الثقافة ثم غرس غيرها مكانها، ولذا ورد: (العلم في الصغر كالنقش في الحجر).

2 ـ أما من يقلع عن مكانه لهجرة اختياراً، أو تهجير قهراً، فإنه حيث يرد المجتمع الجديد ذا الثقافة المغايرة لثقافة سابقة، كان نفوذ الثقافة الجديدة فيه بطيئاً، وأحياناً يتحفظ في باطنه بثقافة نفسه، وإنما يلوّن سطحه فقط بالثقافة الجديدة.

3 ـ وهكذا حال من يدخل مؤسسة ونحوها، كمن يدخل في وظيفة الدولة أو في حزب، أو جمعية أو ما أشبه، حيث يرتطم بالثقافة الجديدة الخاصة بتلك المؤسسة، فإنه يصعب نفوذ الثقافة الجديدة فيه، وربما لا تعدو أن يكون التلون بها سطحياً.

4 ـ وأما الثقافة الغازية، فإنها تجرف المجتمع المغزى سطحياً فقط، إلا في النادر من عباد الأجانب، وإلا فيما كانت الثقافة الواردة أصلح للحياة، وأكثر ملائمة للفطرة، حيث أن الخرافة والأغلال السابقة، كانت على خلاف الفطرة.

وهذا هو سر ما نجده من عدم نفوذ الثقافة الاستعمارية في البلاد الإسلامية وقد دامت في بعض البلاد أكثر من ثلاثة قرون: كالهند وإندونيسيا، أو أكثر من قرن كما في الجزائر، حيث أن تلك الثقافة [الغازية] ليست إلا خرافة وأغلالاً، نعم الصناعة حيث كانت أكثر ملائمة للطبع نفذت بسرعة، وتقبلتها البلاد بكل ترحاب.

والعكس من ذلك ثقافة الإسلام عند ظهوره، حيث دخلت البلاد بكل ترحاب من الأهالي، لما وجدوا فيها من الحقيقة والحرية.

قال تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً)(1) وقال: (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(2).

وهذا هو سر قوله سبحانه: (ليظهره على الدين كله)(3) فإن صانع السيارة يوم كانت وسائل النقل الدواب، وصانع الكهرباء يوم كانت وسائل الإنارة الزيت، كان يحق له أن يقول: سوف تنسخ الدابة أمام السيارة، والزيت أمام الكهرباء، لأن الأمر لا يعدو أن يفهم الإنسان طبيعة الإنسان.

ثم إنه إذا كانت لإنسان ثقافتان فلا يخلو:

1 ـ من كونها ثقافة مجتمعين ظاهرتين.

2 ـ أو ثقافة جماعته ومجتمعه، فالأول: كما إذا كان ذا وطنين مثلاً، حيث يلتقي بالثقافتين، وهذا في الغالب يأخذ منهما، وإن كان لا يتظاهر بالثقافة العميقة عنده في المجتمع غير المثقف بتلك الثقافة العميقة، والثاني: تصبح الثقافة الخفيّ’ فيه، عميقة، والعلنية سطحية، كما في المذاهب الأقلية والأحزاب السرية، وإنما تكون العلنية سطحية، لاضطراره إلى المماشاة والمداراة.

أما الثقافة الخفية، فلأنها:

1 ـ تكون لكثرة التلقين عميقة، حيث أن الجماعة المحيطة به يضطرون إلى التلقين المداوم، لئلا يذوب في وسط المجتمع الذي لا يعتقدون به.

2 ـ ولتكوّن العرف الخاص حوله، إذ الأكثرية لا يرتبطون به ارتباط الأقلية، فهو بحكم كونه فيهم لابد له من التعاطي أخذاً وعطاءاً وذلك يوجب تعميق الثقافة.

3 ـ ولأنه يريد أن لا تخيب الثقة التي وضعتها الجماعة الخاصة فيه فإن الإنسان فطر على جذب الناس، وتخييب ثقة الناس يوجب انفضاضهم من حوله، وهذه الإرادة توجب تعميق الثقافة فيه، وقد ورد: (إن المرء على دين خليله) (4).

والجماعة المنسجمة لأجل هدف ما، لها جانبان:

1 ـ الوجوه المشتركة بين أعضاء الجماعة.

2 ـ والوجوه الخاصة بكل فرد فرد، أو بكل تجمع صغير في داخل الجماعة… ومادامت الوجوه المشتركة أقوى من الوجوه المختلفة، فالجماعة بخير، وكلما كثرت وازدادت الوجوه المشتركة كان الانسجام أكثر والتقدم أسرع، وإذ انعكس الأمر، آلت الجماعة إلى الشتات والبعــثــرة، ومن ينفصل عنها، إن كان فيه داعي الهدف قوياً كون بنفسه جماعة جديدة، أو التحق بجماعة يشبهها هدفاً، وإن كان الداعي فيه ضعيفاً عاش فردياً بلا انضمام.

الانضمام إلى الجماعات

ثم إن الانضمام إلى جماعة ما، يحتاج إلى أخلاقيات خاصة، فليست الجماعة ترفاً فكرياً، أو لهواً عملياً، بل الالتحاق الذي ينبع من نفس الإنسان يحتاج إلى تحمل المتاعب، والاتهامات، والمشاكل، والقدرة على الأخذ والعطاء، وإلى آخره، ولذا نرى بعض الأفراد يلتحقون بجماعة ما، ثم سرعان ما ينفصل عنهم بأعذار، والعذر الحقيقي الذي لا يبديه ـ غالباً ـ هو عدم كفاءته بالنسبة إلى الأخلاقيات التي تتطلبها الجماعة.

ثم الملتحق بجماعة جديدة، إذا كانت لغة المضيف تخالف لغة الضيف، سواء كان ذلك من جهة الهجرة، أو من جهة أن الجماعة ذات لغة خاصة لابد له وأن يتعلم تلك اللغة، وليس تعلم اللغة مشكلة واحدة، وإنما هي مشاكل، إذ يلزم عليه أن يحتوي الآداب والرسوم والعلوم المرتبطة بتلك اللغة.

فليس الأمر [كالماء، وآب] بل أعمق من ذلك، مثلاً: (الصلاة) في دين الإسلام شعائر خاصة، بينما ترجمتها في اللغة المسيحية تعطي، شعائر أخر، وإذا اضطر الإنسان إلى جماعة هكذا، يضطر [ثالثاً] إلى الشطب على معلوماته الموازية لألفاظه، فالأمر هو:

1 ـ تعلم لغة.

2 ـ وما يوازيها من المعاني.

3 ـ والشطب على ما يوازي لغته السابقة من المعاني.

4 ـ ويأتي دور أمر رابع [صعب عليه أيضاً] هو تغيير العادات والتقاليد السابقة إلى العادات والتقاليد الجديدة، وإلا لم يتمكن من الانسجام، وكان في السجن الانفرادي إلى أن ينفصل.

5 ـ ويأتي بعد ذلك دور المناخ في مثل المهجّر، حيث اللازم أن يتثقف بالثقافة الملائمة للمناخ الجديد، إذ الاطلاع على كيفية العيش في المناخ نوع ثقافة أيضاً.

ولذا ورد: أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله لما وردوا المدينة مرض أكثرهم، حتى اعتادوها، وعلموا كيف يعيشون فيها.

موقف الجماعة تجاه المنضمين إليها

هذا كله من ناحية الضيف، أما من ناحية المضيف، فلابد أن يتقبل الضيف وذلك ما يسمى [بالتقبل الاجتماعي] بأن يستقبله، وينسجم معه، ويعطيه العمل ولوازم بقائه المعنوية والمادية.

ومن المعروف أن كل بلد يرده الإنسان، أو جماعة يصير عضواً فيها [له سم] والمراد أن عدم الانسجام الابتدائي ـ حيث أن الانسجام يحتاج إلى مدة طويلة أو قصيرة ـ لابد وأن يهج ضد الضيف الجديد، بما يلفحه مادياً أو معنوياً، وأحياناً يوجب ذلك السم إخراج الضيف عن البلد أو الجماعة.

ولهذا السبب كانت قد جرت العادة في البلاد الإسلامية على أن ينتقل الزوج إلى بيت عائلة الزوجة، أو بالعكس لأن الزوجين من جهة عدم انسجامهما قبل ذلك لابد وأن يتصادما، بما يورث الشقاق أو الطلاق، أما إذا احتفا مما يقرب ثقافتهما إلى الآخر تدريجياً يحصل الانسجام التام مما يكون أول لبنة للحياة العائلية.

ومن أفضل الطرق لتعود حياة خارجين عن ثقافة جماعة، أن يختلطوا بأولئك الجماعة مدة، لا ليعلموا ثقافتهم [فإن ذلك يحصل من الكتاب] ولا ليتعلموا لغتهم [فإن ذلك يحصل بالعلم] بل ليروا حياتهم، ويمتزجوا بهم، امتزاجاً، حتى يتلونوا بلونهم، فإذا رجعوا إلى بلادهم حملوا تلك الثقافة، علماً، ولغة وعملاً إلى بلادهم.

وقد نبه الإسلام إلى ذلك، بقوله سبحانه: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(5).

وقد أراد الله في الحج، وفي زيارة الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام ذلك، حيث يختلط المسلمون بعضهم ببعض، ولذا جعل تعالى حرمة (سواء العاكف فيه والباد).

وكان من صنع المستعمرين، أن جعلوا الحجيج لا يختلط بعضهم ببعض وإنما لكل جماعة مكان خاص وكيفية خاصة، لعدم توحد المسلمين حياةً.

وكان من ما عملته الحوزات العلمية في مثل النجف وكر بلاء وقم وخرا سان أن لا يجعل التميز في المدارس والدروس والاجتماعات، فالفارسي إلى جنب العربي، والهندي، والتركي، وهكذا.

وقد أخذ المستعمرون بالخطة الإسلامية، حيث الاختلاط في الكنائس ونحوها والمعاهد ونحوها، وحيث يستضيفون كل عام جماعات من البلاد، ليختلطوا معهم ويتلونوا بلونهم، فإذا رجعوا إلى بلادهم بعد انتهاء الضيافة، لونوا بلادهم، بلون المستعمر حركة وأسلوباً وتفكراً، بل ومنطقاً، وحيث أن البلاد المضيفة فيها إغراءات كثيرة من كل لون بما يفقدها الضيوف في بلادهم، يحاول الضيوف بعد رجوعهم إلى بلادهم تلوين بلادهم بلون بلاد المستعمر.

ولذا فمن لضروري على البلاد الإسلامية:

1 ـ المنع عن مثل هذه الأسفار.

2 ـ تهيئة الجو الإسلامي المناسب للطلاب ونحوهم الذين يذهبون إلى تلك البلاد، في فنادق خاصة بالمسلمين، لئلا يمتزجوا بحياة أولئك ويجب أن تعطي تلك الفنادق وسائل الراحة الفكرية نزلاءها بما لا يكون جو تلك البلاد أكثر إغراءاً.

3 ـ إعادة استضافة المسلمين إلى بلاد الإسلام المتقدمة مع تهيئة الأجواء المناسبة.

4 ـ ترفيع مستوى بلاد الإسلام المتقدمة صناعياً، وزراعياً وسياسياً، واجتماعياً، حتى يمكن أن تتخذ أسوة، وتكون جذابة ولو بنسبة ضعيفة، بالمقارنة إلى بلاد المستعمرين.

فلقد كان من أسباب تقدم الإسلام السريع بدأ بزوغه، أن بلاد الإسلام كانت خيراً من البلاد الأخرى حتى إذا جاءها الأضياف رأوا فيها من العدل، والأمن، والحرية، والرفاه، والعلم، والنظافة، وحسن الخلق، والصفات الرفيعة ما لم يكونوا يجدونه في بلادهم، ولذا كانوا يسلمون، ويكونون دعاة إلى الإسلام في بلادهم، ويطورون بلادهم على صورة البلاد الإسلامية.

الإسلام والحرية الثقافية

كما أنه كان من أسباب تقدم بلاد الإسلام، اختلاط الثقافات المختلفة، لما وفره الإسلام من الحرية والجذب لمختلف الناس، فقد اختلطت ثقافة العرب بثقافة مصر وإيران والهند والعراق وغيرها، ومن الطبيعي أن يأخذ الاجتماع بأحسن الثقافات، حاله حال الفرد الذي يتسوّق حيث يشتري البضاعة الأحسن من غيرها.

ونشاهد في العصر الحاضر، أن من أسباب قوة الاستعمار في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، نفس هذا السبب، فأمريكا مكونة من ثقافات مختلفة، وبريطانيا تموج فيها ثقافات الكومنولث ذات [45] دولة، وفرنسا تلونت بألوان ثقافات المستعمرات التي تتكلم بلغتها، وهي كما في بعض الإحصاءات [450] مليون من البشر: ما يقارب عشر العالم… بينما البلاد الإسلامية ذات الألف مليون مسلم، تقطعت قطعة قطعة بينها التدابر والتناكر والتحارب.

وكذلك تعلمت جملة من البلاد الحاضرة من الإسلام، عدم الضغط على الثقافات المختلفة، فإن ذلك كان من إبداعات الإسلام، بما لم يكن له مثيل في العالم قبل الإسلام ـ حسب ما حفظ التاريخ ـ.

فقد قرر الإسلام ـ في باب العقيدة ـ (لا إكراه في الدين) وإنما أنذر من لم يقبل الصحيح عن تعقل و تدبر بالحياة الضنك في الدنيا، والخسارة الفادحة في الآخرة، حيث قال سبحانه: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه * وهو في الآخرة من الخاسرين)(6). وقال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً * ونحشره يوم القيامة أعمى)(7).

كما أن الإسلام في باب العمل قال: (لكل قوم نكاح)(8) وقال: (الزموهم بما التزموا به)(9) وقال: (لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم(10) وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبور هم وبين أهل القرآن بقرآنهم) إلى غير ذلك… وقال بالنسبة إلى كل من العقيدة والعمل: (لكم دينكم ولي دين)(11) وقال: إن هذه تذكرة فمن شاء ذكره)(12) وقد ذكرنا في الفقه [الجهاد، والقضاء، والشهادات] بعض الكلام في هذه المسالة.

فإن الإنسان إذا رأى الحق ولم يكن ضغط لابد وأن يستجيب له إن قريباً أو بعيداً، قال سبحانه: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)(13).

وقد استمر المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا النادر جداً على ذلك حيث لم يحفظ التاريخ أنهم أجبروا كافراً على ترك عقيدته، أو بالتخلي عن شريعته وإن كان مشركاً بالله، ولذا لم يضغط الرسول على مشركي بدر بعد الأسر، وعلى كفار مكة، ويهود خيبر، وكفار الطائف في عقيدتهم أو عملهم.

أما المستعمرون الذين أرادوا فرض ثقافتهم على غيرهم بالقوة، فكان الطريق مسدوداً أمامهم ولم يجنوا من ذلك إلا الكره، والنفرة، ورفض الشعوب لهم في أول فرصة، ولا أدل على ذلك من القرن الوسطى في أوروبا، حيث الظلم الفظيع ومحاكم التفتيش وما أشبه.

 

1 ـ سورة البقرة آية 19.

2 ـ سورة الأعراف آية 157.

3 ـ سورة التوبة آية 33.

4 ـ الوسائل ج/ 8 ص430.

5 ـ سورة التوبة آية 122.

6 ـ سورة آل عمران آية 85.

7 ـ سورة طه آية 124.

8 ـ تهذيب الأحكام ج/ 6 ص387.

9 ـ الوسائل ج/ 17 ص598.

10 ـ بحار الأنوار ج/ 35 ص387.

11 ـ سورة الكافرون آية 6.

12 ـ سورة المدثر آية 55.

13 ـ سورة التوبة آية 6.