الفهرس

المؤلفات

 الاجتماع

الصفحة الرئيسية

 

العمل الإسلامي

قال الإمام الباقر (عليه السلام): «لا شرف كبعد الهمة»[1].

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين»[2].

إن الإسلام يؤكد دائماً على العمل والإخلاص فيه وبعد الهمة. فعلى العاملين للإسلام، ومن أجل إعادة المجتمعات الإسلامية إلى التمسك بدينها وحمل مبادئه، أن يلتفتوا إلى هذه النقطة المهمة، وطالما أكد عليها النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وحث المسلمين على عدم اليأس، وعدم التوقف؛ فالإسلام دائماً وأبداً يؤمن بالحركة، ويؤكد على العناصر الفعّالة؛ لذلك فهو يعتبر العمل عبادة، لأن العلم يعني تقدّم عجلة المجتمع الإسلامي، وبالتالي تكون الفائدة لكافة البشر.

فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيها الناس، اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال؛ إن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وضمنه وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه»[3].

وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه»[4].

والرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في اللحظات الحرجة الصعبة كان يؤكد على المسلمين بعدم اليأس، ويبعث فيهم روح الأمل والنصر، فنراه في موقف الأحزاب وقد أحاطه الأعداء وتكاتفوا عليه، وحاول بعض المسلمين الهروب من الساحة، حيث قال تعالى: ((يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ))[5]. وبعض آخر منهم حاول أن يجد طريقاً للتوسل إلى المشركين، والحصول منهم على أمان خاص له[6]، إضافة إلى الظروف المناخيّة القاسية التي كانوا يمرون بها... والحالة النفسية التي يمر بها الجيش الإسلامي، إلى درجة أن عمرو بن عبد ود العامري عندما دعا المسلمين إلى البراز لم يجبه أحد، وتراجع الجميع إلاّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، مع كل ذلك نرى أن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كان يبشرهم بالفتوحات العظيمة كفتح بلاد كسرى وبلاد الروم[7]، ليرفع من الروح المعنويّة فيهم، وليهدم الحاجز النفسي الذي لفّهم باليأس والخيبة.

قصة الأحزاب

روي أن قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَ غُرُوراً))[8] نزل في قصة الأحزاب من قريش والعرب، الذين تحزبوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وذلك أن قريشاً تجمعت في سنة خمس من الهجرة وساروا في العرب وجلبوا، واستفزوهم لحرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فوافوا في عشرة آلاف، ومعهم كنانة وسليم وفزارة، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أجلى بني النضير وهم بطن من اليهود من المدينة وكان رئيسهم حيي بن أخطب، وهم يهود من بني هارون (عليه السلام) فلما أجلاهم من المدينة صاروا إلى خيبر وخرج حيي بن أخطب وهم إلى قريش بمكة، وقال لهم: إن محمداً قد وتركم ووترنا، وأجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا، وأجلى بني عمنا بني قينقاع، فسيروا في الأرض واجمعوا حلفاءكم وغيرهم، حتى نسير إليهم؛ فإنه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل وهم بنو قريظة، وبينهم وبين محمد عهد وميثاق، وأنا أحملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد (صلّى الله عليه وآله) ويكونون معنا عليهم، فتأتونه أنتم من فوق، وهم من أسفل.

وكان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين، وهو الموضع الذي يسمى بئر المطلب، فلم يزل يسير معهم حيي بن أخطب في قبائل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش وكنانة، والأقرع بن حابس في قومه، وعباس بن مرداس في بني سليم، فبلغ ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاستشار أصحابه وكانوا سبعمائة رجل، فقال سلمان الفارسي: يا رسول الله، إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة.

قال: «فما نصنع؟ ».

قال: نحفر خندقا يكون بيننا وبينهم حجابا فيمكنك منعهم في المطاولة، ولا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه؛ فإنا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق، فيكون الحرب من مواضع معروفة.

فنزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: «أشار سلمان بصواب».

فأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بحفره من ناحية أحد إلى رائح، وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوما من المهاجرين والأنصار يحفرونه، فأمر فحملت المساحي والمعاول، وبدأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، وأمير المؤمنين (عليه السلام) ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعيي، وقال: «لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم اغفر للأنصار والمهاجرين».

فلما نظر الناس إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحفر اجتهدوا في الحفر ونقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر، وقعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مسجد الفتح، فبينا المهاجرون والأنصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه، فبعثوا جابر بن عبد الله الأنصاري إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعلمه بذلك، قال جابر: فجئت إلى المسجد ورسول الله مستلق على قفاه ورداؤه تحت رأسه، وقد شد على بطنه حجراً، فقلت: يا رسول الله، إنه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه.

فقام مسرعا حتى جاءه، ثم دعا بماء في إناء، فغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه، ثم شرب ومج من ذلك الماء في فيه ثم صبه على الحجر، ثم أخذ معولاً فضرب ضربة، فبرقت برقة، فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثم ضرب أخرى فبرقت برقة، نظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثم ضرب أخرى فبرقت برقة أخرى نظرنا فيها إلى قصور اليمن.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أما إنه سيفتح الله عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البرق» ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل.

فقال جابر: فعلمت أن رسول الله مقوي، أي جائع؛ لما رأيت على بطنه الحجر، فقلت: يا رسول الله، هل لك في الغذاء؟

قال: «ما عندك يا جابر؟ ».

فقلت: عناق وصاع من شعير.

فقال: «تقدم وأصلح ما عندك».

قال: فجئت إلى أهلي، فأمرتها فطحنت الشعير وذبحت العنز وسلختها، وأمرتها أن تخبز وتطبخ وتشوي، فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قد فرغنا فاحضر مع من أحببت.

فقام (صلّى الله عليه وآله) إلى شفير الخندق ثم قال: «معاشر المهاجرين والأنصار، أجيبوا جابراً».

قال جابر: وكان في الخندق سبعمائة رجل فخرجوا كلهم، ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والأنصار إلا قال: «أجيبوا جابراً».

قال جابر: فتقدمت وقلت لأهلي: والله قد أتاك محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما لا قبل لك به.

فقالت: أعلمته أنت بما عندنا؟

قال: نعم.

قالت: هو أعلم بما أتى.

قال جابر: فدخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فنظر في القدر، ثم قال: «اغرفي وأبقي»، ثم نظر في التنور، ثم قال: «أخرجي وأبقي» ثم دعا بصحنة فثرد فيها وغرف، فقال: «يا جابر، أدخل علي عشرة».

فأدخلت عشرة فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم.

ثم قال: «يا جابر، علي بالذراع»، فأتيته بالذراع فأكلوه.

ثم قال: «أدخل علي عشرة» فدخلوا فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم.

ثم قال: «عليَّ بالذراع»، فأكلوا وخرجوا.

ثم قال: «أدخل علي عشرة»، فأدخلتهم فأكلوا حتى نهلواً ولم ير في القصعة إلا آثار أصابعهم.

ثم قال: «يا جابر، علي بالذراع» فأتيته، فقلت: يا رسول الله، كم للشاة من ذراع؟

قال: «ذراعان».

فقلت: والذي بعثك بالحق نبيا لقد أتيتك بثلاثة!؟

فقال: «أما لو سكت يا جابر لأكلوا الناس كلهم من الذراع».

قال جابر: فأقبلت أدخل عشرة عشرة، فدخلوا فيأكلون حتى أكلوا كلهم وبقي والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أياما.

قال: وحفر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الخندق وجعل له ثمانية أبواب، وجعل على كل باب رجلا من المهاجرين ورجلا من الأنصار مع جماعة يحفظونه، وقدمت قريش وكنانة وسليم و هلال فنزلوا الرغابة.

ففرغ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، فأقبلت قريش ومعهم حيي بن أخطب فلما نزلوا العقيق جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل، وكانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ـ إلى أن قال ـ فقال ـ أي حيي بن أخطب ـ: ويلك يا كعب، انقض العهد الذي بينك وبين محمد ولاترد رأيي؛ فإن محمداً لا يفلت من هذا الجمع أبداً، فإن فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله أبداً.

قال: واجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود، مثل: غزال بن شمول وياسر بن قيس ورفاعة بن زيد والزبير بن ياطا، فقال لهم كعب: ما ترون؟

قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا وأنت صاحب عهدنا، فإن نقضت نقضنا وإن أقمت أقمنا معك، وإن خرجت خرجنا معك.

فقال الزبير بن ياطا، وكان شيخا كبيرا مجربا قد ذهب بصره: قد قرأت التوراة التي أنزلها الله في سفرنا، بأنه يبعث نبيا في آخر الزمان يكون مخرجه بمكة، ومهاجرته بالمدينة إلى البحيرة، يركب الحمار العربي ويلبس الشملة، ويجتزي بالكسيرات والتميرات، وهو الضحوك القتال، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقاه، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر، فإن كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم، ولو ناوته هذه الجبال الرواسي لغلبها.

فقال حيي: ليس هذا ذلك، وذلك النبي من بني إسرائيل وهذا من العرب من ولد إسماعيل، ولا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبداً؛ لأن الله قد فضلهم على الناس جميعاً وجعل منهم النبوة والملك، وقد عهد إلينا موسى ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وليس مع محمد آية، وإنما جمعهم جمعاً وسحرهم، ويريد أن يغلبهم بذلك، فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه، فقال لهم: أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد، فأخرجوه فأخذه حيي بن أخطب ومزقه، وقال: قد وقع الأمر، فتجهزوا وتهيئوا للقتال.

وبلغ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك فغمه غما شديداً وفزع أصحابه، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لسعد بن معاذ وأسيد بن حصين، وكانا من الأوس، وكانت بنو قريظة حلفاء الأوس، فقال لهما: «ائتيا بني قريظة فانظروا ما صنعوا، فإن كانوا نقضوا العهد فلا تعلما أحداً إذا رجعتما إلي، وقولا عضل والفارة».

فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن حصين إلى باب الحصن، فأشرف عليهما كعب من الحصن فشتم سعداً وشتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال له سعد: إنما أنت ثعلب في جحر، لنولين قريشاً وليحاصرنك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولينزلنك على الصغر والقماع وليضربن عنقك.

ثم رجعا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقالا: عضل والفارة.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لعناء، نحن أمرناهم بذلك» وذلك أنه كان على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عيون لقريش يتجسسون خبره، وكانت عضل والفارة قبيلتان من العرب دخلا في الإسلام، ثم غدرا، فكان إذا غدر أحد ضرب بهذا المثل، فيقال: عضل والفارة.

ورجع حيي بن أخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ففرحت قريش بذلك، فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، فقال: يارسول الله، قد آمنت بالله وصدقتك وكتمت إيماني عن الكفرة، فإن أمرتني أن آتيك بنفسي وأنصرك بنفسي فعلت، وإن أمرت أن أخذِّل بين اليهود وبين قريش فعلت؛ حتى لا يخرجوا من حصنهم؟

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «اخذل بين اليهود وقريش، فإنه أوقع عندي».

قال: فتأذن لي أن أقول فيك ما أريد؟

قال: «قل ما بدا لك».

فجاء إلى أبي سفيان فقال له: تعرف مودتي لكم ونصحي ومحبتي أن ينصركم الله على عدوكم، وقد بلغني أن محمداً قد وافق اليهود، أن يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم، ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد عليهم جناحهم الذي قطعه لبني النضير وقينقاع، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا في عسكركم حتى تأخذوا منهم رهناً تبعثوا بهم إلى مكة، فتأمنوا مكرهم وغدرهم.

فقال أبو سفيان: وفقك الله وأحسن جزاك، مثلك أهدى النصائح، ولم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم، ولا أحد من اليهود.

ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة فقال: يا كعب، تعلم مودتي لكم، وقد بلغني أن أبا سفيان قال: تخرج هؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد، فإن ظفروا كان الذكر لنا دونهم، وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد وبينكم؛ لأنه إن ولت قريش ولم يظفروا بمحمد غزاكم محمد فيقتلكم.

فقالوا: أحسنت وأبلغت في النصيحة، لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا.

وأقبلت قريش، فلما نظروا إلى الخندق قالوا: هذه مكيدة، ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك!

فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسي الذي معه، فوافى عمرو بن عبد ود وهبيرة بن وهب وضرار بن الخطاب إلى الخندق، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد صف أصحابه بين يديه، فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فصاروا أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلهم خلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقدموا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين أيديهم، وقال رجل من المهاجرين وهو فلان لرجل بجنبه من إخوانه: أما ترى هذا الشيطان عمرو، لا والله ما يفلت من يديه أحد، فهلموا ندفع إليه محمداً ليقتله ونلحق نحن بقومنا، فأنزل الله على نبيه في ذلك الوقت قوله: ((قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ والْقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا ولا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ـ إلى قوله ـ وكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً))[9] وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الأرض، وأقبل يجول حوله ويرتجز ويقول:

ولقد بححت من النداء***بجمعكم هل من مبارز

ووقفت إذ جبن الشجاع***مواقف القرن المناجز

إني كذلك لم أزل***متسرعا نحو الهزاهز

إن الشجاعة في الفتى***والجود من خير الغرائز

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من لهذا..؟ ».

فلم يجبه أحد.

فقام إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: «أنا له يا رسول الله» فقال: «يا علي، هذا عمرو بن عبد ود فارس يليل».

قال: «أنا علي بن أبي طالب».

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ادن مني».

فدنا منه، فعممه بيده، ودفع إليه سيفه ذا الفقار، فقال له: «اذهب وقاتل بهذا»، وقال: «اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته».

فمر أمير المؤمنين (عليه السلام) يهرول في مشيه وهو يقول:

لا تعجلن فقد أتاك***مجيب صوتك غير عاجز

ذو نية وبصيرة ***والصدق منجي كل فائز

إني لأرجو أن أقيم ***عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يبقى ***صوتها بعد الهزاهز

فقال له عمرو: من أنت؟.

قال: «أنا علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وختنه».

فقال: والله، إن أباك كان لي صديقاً قديماً، وإني أكره أن أقتلك، ما آمن ابن عمك حين بعثك إلي أن أختطفك برمحي هذا، فأتركك شائلاً بين السماء والأرض لا حي ولا ميت؟

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «قد علم ابن عمي أنك إن قتلتني دخلتُ الجنة وأنت في النار، وإن قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة».

فقال عمرو: وكلتاهما لك يا علي، تلك إذا قسمة ضيزى!

قال علي (عليه السلام): «دع هذا يا عمرو، إني سمعت منك وأنت متعلق بأستار الكعبة، تقول: لا يعرضن علي أحد في الحرب ثلاث خصال إلا أجبته إلى واحدة منها، وأنا أعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة».

قال: هات يا علي.

قال: «أحدها تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله».

قال: نح عني هذه فاسأل الثانية.

فقال: «أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإن يك صادقاً فأنتم أعلى به عينا، وإن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره».

فقال: إذاً لا تتحدث نساء قريش بذلك، ولا تنشد الشعراء في أشعارها أني جبنت ورجعت على عقبي من الحرب وخذلت قوما رأسوني عليهم.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فالثالثة أن تنزل إلي فإنك راكب وأنا راجل حتى أنابذك».

فوثب عن فرسه وعرقبه وقال: هذه خصلة ما ظننت أن أحداً من العرب يسومني عليها.

ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسيف على رأسه فاتقاه أمير المؤمنين بدرقته فقطعها وثبت السيف على رأسه.

فقال له علي (عليه السلام): «يا عمرو أما كفاك أني بارزتك وأنت فارس العرب حتى استعنت علي بظهير». فالتفت عمرو إلى خلفه فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) مسرعا على ساقيه قطعهما جميعا وارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم انكشف العجاجة، فنظروا فإذا أمير المؤمنين (عليه السلام) على صدره قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه، فذبحه ثم أخذ رأسه، وأقبل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم وهو يقول ـ والرأس بيده ـ:

«أنا علي وابن عبد المطلب***الموت خير للفتى من الهرب»

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «يا علي، ماكرته؟ ».

قال: «نعم يا رسول الله؛ الحرب خديعة».

وبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الزبير إلى هبيرة بن وهب فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، وأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب، فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهما، فقال ضرار: ويحك يا ابن صهاك أترميني في مبارزة! والله لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته، فانهزم عنه عمر ومر نحوه ضرار وضربه على رأسه بالقناة، ثم قال: احفظها يا عمر، فإني آليت أن لا أقتل قرشيا ما قدرت عليه، فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولي، فولاه.

فبقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوماًـ إلى أن قال ـ فلما طال على أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأمر واشتد عليهم الحصار، وكانوا في وقت برد شديد وأصابتهم مجاعة وخافوا من اليهود خوفا شديدا، وتكلم المنافقون بما حكى الله عنهم ولم يبق أحد من أصحاب رسول الله إلا نافق إلا القليل، وقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أخبر أصحابه أن العرب تتحزب ويجيئون من فوق وتغدر اليهود ونخافهم من أسفل، وأنه ليصيبهم جهد شديد، ولكن تكون العاقبة لي عليهم، فلما جاءت قريش وغدرت اليهود قال المنافقون: ((ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً))[10].

وكان قوم لهم دور في أطراف المدينة فقالوا: يا رسول الله تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا؛ فإنها في أطراف المدينة وهي عورة ونخاف اليهود أن يغيروا عليها؟

وقال قوم: هلموا فنهرب ونصير في البادية ونستجير بالأعراب؛ فإن الذي كان يعدنا محمد كان باطلا كله. وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش نابذهم، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجوز الخندق ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم، فلا يزال الليل كله قائماً وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه، ومسجد أمير المؤمنين هناك معروف يأتيه من يعرفه فيصلي فيه، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشابة، فلما رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم، فدعا الله وناجاه فيما وعده وكان مما دعاه أن قال:

«يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين ويا كاشف الكرب العظيم، أنت مولاي ووليي وولي آبائي الأولين، اكشف عنا غمنا وهمنا وكربنا، واكشف عنا شر هؤلاء القوم بقوتك وحولك وقدرتك».

فنزل عليه جبرئيل فقال: «يا محمد، إن الله قد سمع مقالتك وأجاب دعوتك، وأمر الدبور وهي الريح مع الملائكة أن تهزم قريشا والأحزاب».

وبعث الله على قريش الدبور فانهزموا وقلعت أخبيتهم، ونزل جبرئيل فأخبره بذلك.

فنادى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حذيفة بن اليمان، وكان قريبا منه فلم يجبه، ثم ناداه فلم يجبه، ثم ناداه الثالثة، فقال: لبيك يا رسول الله.

قال: «أدعوك فلا تجيبني؟ ».

قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي من الخوف والبرد والجوع.

فقال: «ادخل في القوم وائتني بأخبارهم، ولا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي؛ فإن الله قد أخبرني أنه قد أرسل الرياح على قريش فهزمهم».

قال حذيفة: فمضيت وأنا انتفض من البرد، فوالله ما كان إلا بقدر ما جزت الخندق حتى كأني في حمام، فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبو وتوقد، وإذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلى خصيتيه على النار وهو ينتفض من شدة البرد، ويقول: يا معشر قريش، إن كنا نقاتل أهل السماء، بزعم محمد، فلا طاقة لنا بأهل السماء، وإن كنا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم، ثم قال: لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا، قال حذيفة: فبادرت أنا فقلت للذي عن يميني: من أنت؟

فقال: أنا عمرو بن العاص.

ثم قلت للذي عن يساري من أنت.

قال: أنا معاوية.

وإنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد من أنت، ثم ركب أبوسفيان راحلته وهي معقولة، ولولا أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «لاتحدث حدثا حتى ترجع إلي» لقدرت أن أقتله.

ثم قال أبو سفيان لخالد بن الوليد يا أبا سليمان، لابد من أن أقيم أنا وأنت على ضعفاء الناس، ثم قال: ارتحلوا إنا مرتحلون، ففروا منهزمين.

فلما أصبح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لأصحابه: «لا تبرحوا»، فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة وبقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في نفر يسير.

وكان ابن فرقد الكناني رمى سعد بن معاذ رحمه الله بسهم في الخندق فقطع أكحله، فنزفه الدم، فقبض سعد على أكحله بيده، ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فلا أجد أحب إلي محاربتهم من قوم حادوا الله ورسوله، وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين قريش فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فأمسك الدم وتورمت يده. وضرب رسول الله له في المسجد خيمة وكان يتعاهده بنفسه، فأنزل الله: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنْكُم)) يعني بني قريظة حين غدروا وخافوهم أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ((وإِذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ)) إلى قوله: ((إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِراراً))[11] وهم الذين قالوا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): تأذن لنا نرجع إلى منازلنا؛ فإنها في أطراف المدينة ونخاف اليهود عليها؟

فأنزل الله فيهم: ((إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِراراً ـ إلى قوله ـ وكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً))[12] ونزلت هذه الآية في فلان لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمداً إلى قريش، ونلحق نحن بقومنا.

ثم وصف الله المؤمنين المصدقين بما أخبرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما يصيبهم في الخندق من الجهد، فقال:

((ولَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ... وما زادَهُمْ إِلا إِيماناً))[13] يعني: ذلك البلاء والجهد والخوف. انتهى.[14]

إذن، على من يعمل للإسلام أن يتذكر هذه المواقف جيداً ويعتبر بها، ولا يركن إلى اليأس، بل عليه أن لا يعطي لنفسه مجالاً كي يفكر باليأس والتراجع والفشل، وعليه أن يُقدم متأسياً بأمير المؤمنين (عليه السلام) حينما أحجم القوم وقام بها، حتى قال فيه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله): «أبشر يا علي، فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمّد (صلّى الله عليه وآله) لرجح عملك بعملهم وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو»[15].

وروي عن عبد الله بن مسعود قال: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي[16].

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: «لضربة علي لعمرو بن عبد ود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة»[17].

فالعاملون يجب أن يكونوا مصداقاً للآية الشريفة: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً))[18] أي ثبتوا على المبدأ، واستقاموا من أجل نشره والحفاظ عليه.

فقد روي عن حذيفة بن اليمان قال: لما دعا عمرو إلى المبارزة أحجم المسلمون كافة ما خلا علياً، فإنه برز إليه فقتله الله على يديه، والذي نفس حذيفة بيده، لعمله في ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد إلى يوم القيامة، وكان الفتح في ذلك اليوم على يد علي (عليه السلام)، وقال النبي (صلّى الله عليه وآله): «لضربة علي خير من عبادة الثقلين»[19].

[1] تحف العقول: ص286 وصيته (عليه السلام) لجابر بن يزيد الجعفي.

[2] الكافي: ج2 ص58 باب فضل اليقين ح3.

[3] الكافي: ج1 ص30 باب فرض العلم ووجوب طلبه ح4.

[4] الكافي: ج1 ص44 باب استعمال العلم ح2.

[5] سورة الأحزاب: 13.

[6] انظر تفسير القمي: ج2 ص188 سورة الأحزاب، وفيه: ونزلت هذه الآية في فلان لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمداً إلى قريش ونلحق نحن بقومنا.

[7] انظر بحار الأنوار: ج20 ص189 ب17.

[8] سورة الأحزاب: 9 ـ 12.

[9] سورة الأحزاب: 18ـ 19.

[10] سورة الأحزاب: 12.

[11] سورة الأحزاب: 9 ـ 13.

[12] سورة الأحزاب: 13 ـ 14.

[13] سورة الأحزاب: 22.

[14] تفسير القمي: ج2 ص176-188 سورة الأحزاب، وانظر بحار الأنوار: ج20 ص186 ب17 قريبا منه.

[15] بحار الأنوار: ج39 ص2 ب70 ضمن ح1.

[16] بحار الأنوار: ج39 ص2 ب70 ضمن ح1.

[17] بحار الأنوار: ج39 ص2 ب70 ضمن ح1.

[18] سورة الأحزاب: 23.

[19] بحار الأنوار: ج39 ص2 ب70 ضمن ح1.