الفهرس

المؤلفات

 الاجتماع

الصفحة الرئيسية

 

الفضائل ازدهار الحياة

في المقابل عندما تكون هناك أمة صالحة يعيش أفرادها بوئام وسلام وتراحم، ستكون أعمالهم هذه أسباباً لازدهار الحياة وسعادتها؛ وهذا كله بحاجة إلى الإخلاص في العمل، فإن هكذا الإخلاص يزيد في العلم والحكمة، وفقاً لقول الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله): «من أخلص لله أربعين يوماً فجر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»[1].

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوما، إلا زهده الله في الدنيا، وبصره داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، ثم تلا: ((إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ))[2] فلا ترى صاحب بدعة إلا ذليلاً، أو مفتريا على الله عزّ وجلّ وعلى رسوله وأهل بيته (صلى الله عليهم أجمعين) إلا ذليلا»[3].

ومن المعلوم أنه بواسطة العلم والحكمة تزدهر الحياة العامة، وينتفع الناس بذلك، وكذلك تعدّ صلة الرحم من الصفات المحببة التي يحثنا عليها أئمتنا (عليهم السلام) وهي من أسباب الزيادة في العمر؛ فعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيّرها الله ثلاثين سنة، ويفعل الله ما يشاء»[4].

وكلما ازداد العمر أمكن للإنسان أن ينتفع من ذلك.

وهكذا بقية الأعمال الصالحة، فالصدقة تدفع البلاء، قال الإمام الباقر (عليه السلام): «الصدقة تدفع البلاء المبرم فداووا مرضاكم بالصدقة»[5].

وحسن الخلق يزيد في الرزق، حيث ورد عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قوله: «حسن الخلق يزيد في الرزق»[6].

وغير ذلك كثير من الأسباب والفضائل التي إذا هيّأها أبناء المجتمع فإنهم يكونون قد هيّأوا لأنفسهم أسباب العيش الهنيء والحياة الآمنة، البعيدة عن الحوادث والكوارث وغضب الله. ومن خلال هؤلاء الناس أنفسهم يظهر من فيه كفاءة القيادة، فيسوسهم بالرحمة والعطف والعدل وهذا يسبب نجاة المسلمين من معاناتهم.

الرذائل وهلاك المجتمع

ومن أسباب معاناة المسلمين ما نراه اليوم من تفش المحرمات والرذائل فإنها توجب هلاك المجتمع.

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «وجدنا في كتاب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) إذا ظهر الزّنا من بعدي كثر موت الفجأة، وإذا طفّف المكيال والميزان أخذهم اللّه بالسّنين والنّقص، وإذا منعوا الزّكاة منعت الأرض بركتها من الزّرع والثّمار والمعادن كلّها، وإذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظّلم و العدوان، وإذا نقضوا العهد سلّط اللّه عليهم عدوّهم، وإذا قطّعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار، وإذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتّبعوا الأخيار من أهل بيتي سلّط اللّه عليهم شرارهم فيدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم»[7].

نعم، إذا اتصف أبناء المجتمع بالرذائل والصفات غير الأخلاقية فإن هذه الصفات نفسها تكون كافية لإهلاكهم وتسليط الجبابرة عليهم، لأن طبيعة الإنسان العاصي أن يكون مستغرقاً في الملذّات والهوى، ولا يعلم كيف تجري الأمور السياسية والاقتصادية أو غيرها، فهو يجهل حتى هدفه في الحياة، فمثلاً عندما تستشري ظاهرة الزنا ـ والعياذ بالله في المجتمع ـ فالزنا فعل لابدّ له من نتائج، ومن نتائجه المعنوية قصر العمر، ومن نتائجه الماديّة شيوع الأمراض الجنسية الزهرية الخطيرة وهكذا الإيدز وغيره، وتفشي الانحلال الأخلاقي.

ثم إن بعض هذه الذنوب تكون نتائجها السيئة سريعة، أي أن ما يتبعها من مساوي تظهر مباشرة فتنعكس سلبياتها في المجتمع[8].

فمثلاً، الزنا ينشر الأمراض، وفساد السوق والميزان يوجب الجدب والقحط. وإذا منع الناس الزكاة أو الخمس منعت السماء ماءها.

وهكذا في المقابل، فإن الله قد جعل لكل صفةٍ أخلاقية حسنة نتائج معنوية إيجابية، ونتائج مادية إيجابية ينتفع الناس منها.

كما جعل الله لكل صفة لا أخلاقية، ولكل ذنب أو معصية نتائج سلبية تنعكس على روح الإنسان، فتضعف إيمانه، ونتائج سلبية مادية تنعكس أضرارها في المجتمع، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «خمس إن أدركتموهنَّ فتعوذوا بالله منهنَّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة إلاّ مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلاّ سلّط الله عليهم عدوّهم وأخذوا بعض ما في أيديهم، ولم يحكموا بغير ما أنزل الله (عز وجل) إلاّ جعل الله عز وجل بأسهم بينهم»[9].

وهذا الحديث الشريف يكشف لنا عن نظام العليّة وقانون الأسباب والمسببات وبعض أسرار تسلط الظلمة على الناس، لكنه يؤكد على أن ذلك التسليط ليس من قبل الله (والعياذ بالله)، بل هو من جزاء أيدي الناس وأعمالهم.

قال عزّ وجلّ: ((ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ))[10].

الخروج من المأزق

ثم إن اللازم للخروج من هذا المأزق والتخلص من هذه المعاناة ولكي نصل إلى الحياة الطيبة والقيادة العادلة لابد لنا من أن نأخذ بعين الاعتبار قانون الأسباب والمسببات والسنن الكونية، ونعمل كل ما بوسعنا لكي تكون أعمالنا صالحة، حتى تأتي النتائج صالحة فتنعكس إيجابياتها على مختلف الناس، كما إن من الضروري إيجاد التعددية السياسية لكي لا يكون مجال لتسلُّط الطغاة والجبابرة. فإذا استطعنا أن نبني ونُربّي أولادنا على الفضيلة والأدب الإسلامي وسلوك أهل البيت (عليهم السلام)، نكون قد ضمنّا قيادة عادلة حكيمة في المستقبل؛ إذ عندما نجهل هذا الكون وما أودع الله فيه من السنن، ونهجر القرآن الذي فيه علم كل شيء، ولم نتبع سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) نكون قد تخلّينا عن حياتنا السعيدة وعن مصيرنا الموعود، فنذوب في العمل اليومي والقضايا الجانبية والثانوية، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم»[11].

وكلما ازداد ابتعادنا عن القرآن وعن منهج أهل البيت (عليهم السلام) ازداد استغراقنا في المتاهات، لنفاجأ مَدهوشين بالطغاة واحداً تلو الآخر كدهشتنا بحاكم كالحجاج أو صدام وقد تسلط علينا.

وعندها نقول: لماذا سلّطه الله علينا؟ ونبتهل إلى الله بالدعاء والفرج، ولكن دون جدوى فعملنا هو ـ في الواقع ـ الذي فسح المجال لأن يأتي أمثال هؤلاء الطغاة، وبالعمل والسلوك أيضاً نستطيع أن نبدّل الواقع السيئ إلى واقع حسنٍ ومُرْضٍ، حيث قال تعالى: ((إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم))[12]. فإذا كان الإنسان دائماً في طاعة الله، مقيماً لشعائره ومجداً في سبيله، ومدافعاً عن الدين والمؤمنين، وباذلاً روحه وأمواله في سبيل شريعة الله عز وجل، فإن هذا بحدّ ذاته نصر لدين الله، وسيكون سبباً لغلق الأبواب التي منها يتسلّل الانتهازيون وأشباههم ممّن يريدون الكيد بالإسلام العظيم، وكلما ازداد الدفاع عن الإسلام قويت قاعدة المسلمين التي تنتهي برسوخ وثبات الحكم الإسلامي.

[1] عدة الداعي: ص232 ب4 ق3 خاتمة.

[2] سورة الأعراف: 152.

[3] بحار الأنوار: ج67 ص240 ب54 ح8.

[4] الكافي: ج2 ص150 باب صلة الرحم ح3.

[5] وسائل الشيعة: ج2 ص434 ب22 ح2565.

[6] مستدرك الوسائل: ج8 ص445 ب87 ح9947.

[7] الكافي: ج2 ص374 باب في عقوبات المعاصي العاجلة ح2.

[8] ومن أخطر هذه الأمراض مرض نقص المناعة المكتسبة الذي يعرف بالإيدز، فقد ذكر في بعض التقارير حول هذا المرض، ما يلي:

يبدو أن مرض الإيدز الذي تسبب في وفاة أكثر من ثلاثة ملايين شخص وارتفع عدد المصابين به إلى (42 مليونا) في عام (2002م) أكثر خطورة بتقدمه بسرعة ليشمل قارات أخرى غير أفريقيا إلى درجة يهدد معها استقرار الكرة الأرضية.

وحذر مدير برنامج منظمة الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز من أن التقديرات تثير مخاوف من إصابة (45 مليون) شخص آخرين حتى عام (2010م) في الدول ألـ (126) الأقل دخلا و40منها في آسيا والمحيط الهادئ إذا لم تتخذ إجراءات فعالة. وأضاف: إن مكافحة المرض بفعالية تتطلب عشرة مليارات دولار سنويا مقابل ثلاثة مليارات حاليا. وبانتظار تحقيق ذلك لا يحصل غالبية المرضى في العالم على العلاج وينتشر المرض بوتيرة خطيرة تبلغ (14 ألف شخص) يوميا (أي خمسة ملايين في عام 2002م).

وللمرة الأولى في تاريخ هذا المرض تشكل النساء 50من مجمل المصابين مقابل 48في العام الماضي. وتبقى القارة السوداء التي يبلغ عدد المصابين فيها (29،4 مليون) شخص الأكثر ضررا. فخلال العام الجاري توفي (2،4 مليون) من الأفارقة بالإيدز ويواجه أكثر من (14 مليوناً) خطر الموت بسبب المجاعة التي يزيد المرض من خطورتها لأنه يحصد القوى المنتجة.

وقال مدير إدارة مساندة الدول في بوتسوانا: لو لم ينتشر الإيدز في بوتسوانا لبلغ معدل الحياة (62 عاما) بدلا من (37 عاما) اليوم وأسس الأمن والاستقرار بحد ذاتها تأثرت في هذه المنطقة التي تبلغ نسبة العسكريين المصابين فيها بين 40 و50%".

أما الصين والهند حيث يمكن أن يبلغ عدد حاملي الفيروس عشرة ملايين شخص مع انتهاء العقد الجاري إذا لم يتم الحد من انتشار المرض تشكلان قنبلتين موقوتتين حقيقيتين، بينما يستمر الإيدز في الانتشار بسرعة كبير في أوروبا الشرقية ووسط آسيا.

وإن التقديرات غير الرسمية تقدر عدد الحاملين لفيروس المرض بين أربعة ملايين إلى عشرة ملايين شخص في الهند، وترى أن عدد الإصابات سيتضاعف كل ثلاثة إلى أربعة أعوام. وأن ما بين (20 و25 مليون) هندي سيصابون بالمرض بحلول عام (2010م) إذا لم يتم فعل أي شيء لاقتلاع المرض، وسيشكل هذا العدد حوالي 2من عدد السكان (مقارنة بأكثر من 20بالنسبة لبعض الدول الأفريقية) ولكن الرقم بحد ذاته قد يشل عجلة التطور والتنمية في الهند.

ويرى الأمين العام للاتحاد الدولي للهلال والصليب الأحمر استناداً لإحصائية معتمدة بأن هناك نصف مليون مولود يولدون وكأنهم مصابون بفيروس الإيدز، نتيجة لتخوف الأمهات من إجراء الفحوص الطبية الخاصة بمعرفة مدى إصابتهن أو حملهن للفيروس.

وسجل انتشار المرض في أوروبا الشرقية ارتفاعاً بنسبة بلغت حوالي (4. 26%) خلال السنوات الخمس الأخيرة، يضاف لذلك نصف مليون مريض كما تشير لذلك قوائم المصابين بالإيدز في العالم سنوياً.

أما عن العالم العربي فتشير معلومات الاتحاد الدولي لجمعيات الهلال والصليب الأحمر، أن دوله ما تزال تتحفظ في الحديث عن مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، وقال مسؤولون في الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية: إن المصابين بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) يزيد عددهم في الدول ‏العربية سنويا بمعدل ثمانين ألف مصاب ليصل مجموعهم حاليا إلى نحو (750 ألف) مصاب بالإيدز.

وفي تقرير آخر جاء فيه: بناء على تقرير نشرته وزارة الصحة البريطانية جاء فه: أن معدل الإصابة بالأمراض التي تنتقل عدواها بواسطة العلاقات الجنسية بلغ هذا العام أعلى مستوياته في السنوات العشر الماضية.

فقد سجلت معدلات الإصابة بالكلاميديا في الأعضاء التناسلية ـ وهو مرض تسببه مجموعة من المتعضيات المجهرية ـ بنسبة 67في السنوات الخمس الأخيرة، إذ ارتفع عدد المصابين بالمرض من (32. 371 مصاباً) عام (1995م) إلى (56. 855) في عام (1999م). كما ازدادت الإصابة بالسفلس بنسبة 54%، والسفلس مرض يصيب اللوطيين وثنائي الجنس، ممن يمارسون الجنس مع الرجال والنساء على حد سواء.

وفي الولايات المتحدة الذي ولد هذه الأمراض، تشير بعض التقارير عن حدوث ارتفاع كبير في عدد حالات الإصابة بمرض الزهري بين الشواذ والرجال ثنائي الميول الجنسية في مدينة لوس أنجلس الأمريكية مما دفع منظمة للرعاية الصحية لمرض الإيدز لاتهام مسئولي الصحة بتجاهل المرض، فقد قال مسؤول الصحة في المنطقة: أن دراسة حديثة أظهرت أن عدد حالات الإصابة بالزهري قفز من (30) حالة عام (2000م) إلى (507 حالات) في عام (2002م)، وأضافت الدراسة أن  62 من الحالات الجديدة كانت بين الشواذ والرجال ذوي الميول الجنسية الثنائية، وأن ستاً من بين كل عشر حالات كانت لرجال مصابين بالفعل بفيروس (أتش أي في) (H. A. V) المسبب لمرض الإيدز. وأوضح أطباء في مؤسسة الرعاية الصحية لمرضى الإيدز وهي أكبر منظمة أمريكية تعنى بالإيدز أن عدد حالات الزهري التي لم يتم تشخيصها في لوس أنجلس تفوق على الأرجح عدد الحالات التي اكتشفت بنحو 13 إلى 1.

إن هذه التقارير تؤكد على صحة وصواب التوجهات الأخلاقية للدين الإسلامي الحنيف، وكما تؤكد في الفرض نفسه على زيف وعدم صحة الحضارة الغربية التي كانت ولا زالت هي السبب الحقيقي للأمراض والمشاكل الصحية والاجتماعية والنفسية التي يعاني منها عشرات الآلاف من شعوب تلك الأنظمة، وهي أخيراً السبب الأول والرئيسي لما تعانيه شعوب العالم الثالث من فقر وجهل وتمييز وروح عدم الاكتراث واللامبالاة من قبل الدول الغربية التي كانت هي المسببة لمعاناة تلك الشعوب، ومنها ما تعانيه اليوم من انتشار لهذا الوباء الخطير وكأنه حرب جديدة يخوضها العالم الغربي ضد هذه الشعوب من أجل القضاء عليها تطبيقاً لنظرياتهم في الاقتصاد. إن الحياة الدولية والشخصية أيضاً تقدم إلينا في كل يوم الدليل تلو الآخر بعظمة ما جاء به خاتم الأنبياء محمد (صلّى الله عليه وآله)، وما دعا إليه ديننا الإسلامي الحنيف. للتفصيل انظر شبكة النبأ المعلوماتية.

[9] الكافي: ج2 ص373 باب في عقوبات المعاصي ح1.

[10] سورة الروم: 41.

[11] نهج البلاغة، الكتب: 47 من وصية له (عليه السلام) للحسن والحسين (عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجم (عليه لعنة الله).

[12] سورة محمّد: 7.