الفهرس

المؤلفات

 الاجتماع

الصفحة الرئيسية

 

الخالق يتكفل الرزق

قال سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) (1).

وفي آية أخرى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) (2).

فنحن كمسلمين لدينا كامل الاطمئنان من أنه تعالى عندما يخلق الخلق يهيئ له مستلزمات المعيشة والبقاء، وفي الآيتين المتقدمتين يؤكد سبحانه وتعالى أنه تكفّل برزق كل المخلوقات صغيرها وكبيرها، فلا يخالجنا أي قلق يتعلق بقلة الموارد نسبة إلى زيادة عدد السكان، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لكل ذي رمق قوت) (3).

ويقول (عليه السلام) في خطبة له: (انظروا إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر.. مكفول برزقها، مرزوقة بوفقها، لا يغفلها المنان ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا اليابس، والحجر الجامس) (4).

وفي خطبة أخرى يقول (عليه السلام): (عياله الخلائق ضمن أرزاقهم وقدر أقواتهم) (5).

شاهد صغير

يروي أحد الفضلاء أنه في أحد الأيام وبعد جمع محصول القمح كان يتأمل في صبرة(6) القمح فرأى زنبوراً يقترب من الصبرة فيلتقط حبة القمح ثم يترك الصبرة وبعد لحظة يأتي مرة أخرى فيلتقط حبة أخرى ويغادر الصبرة.

ولأن هذه العملية تكررت أمامه لفتتت انتباهه وبدافع من حب الاستطلاع قام بمراقبة الزنبور ليرى سر هذا الأمر وعندما طار الزنبور من الصبرة تابعه مراقباً له فرآه يقترب من قبّرة عمياء تفتح منقارها فيضع الزنبور الحبة فيه لتأكله هذه القبرة، وهكذا كان الزنبور يكرر إطعامها.

حتى هذه القبرة العمياء تكفل الله سبحانه وتعالى برزقها وإطعامها وسخر لها كائناً ليس من جنسها لإشباعها! فهل يخلق الرزاق الكريم سبحانه عباده بني البشر دون أن يقدر معهم ما يصلحهم وما تتقوّم به حياتهم ومعيشتهم؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً..

لا أزمة غذائية

صحيح أن هناك في بعض بقاع العالم من يتضورون جوعاً وفقراً ولكن مقابل أولئك كم هي البطون المتخمة في بقاع أخرى؟

نسمع كثيراً أن البلدان المصدرة للحبوب والمنتجات الغذائية تلجأ بين آونة وأخرى إلى إلقاء آلاف الأطنان من المحاصيل والحبوب في البحر أو تتلفها بأساليب أخرى، لتلافي هبوط أسعارها، وتعمل بهذا الاتجاه لرفع أسعارها على المستوردين والمستهلكين، لتحقيق الأرباح التجارية الطائلة عبر طرق لا أخلاقية ولا إنسانية إطلاقاً، حتى أن بعض الإحصائيات تؤكد أن ما يتلف ويحتكر من الحبوب لرفع الأسعار يسد النقص الغذائي الحاصل في كثير من الدول الإفريقية. إذن فليس الخلل في نقص الثروات أو قلة الإنتاج. بل في سوء التوزيع وما يقوم به الأقوياء من افتراس للضعفاء، أو ما يمارسونه من ضغوط لإبقاء الملايين تعيش في فقر مدقع، ليصدروا لهم أسلحة الدمار والمخدرات بأثمان باهظة خيالية.

الخلل في الحكومات

بعض الإحصائيات تشير إلى أن القوى الكبيرة أرسلت إلى العالم الثالث من عام (1981 إلى عام 1989م) 27 ألف صاروخ أرض ـ جو و(20 ألف) مدفع و(11) ألف دبابة و(3200) طائرة حربية و(540) باخرة حربية، وبلغ مجموع واردات هذه الدول من مبيعات الأسلحة في عام واحد (3500) مليار دولار، وأن أوربا وحدها تصرف على اليهود (100) مليار دولار سنوياً.

هذه المبالغ الضخمة لو استغلت استغلالاً صحيحاً ووجهت في الوجهة التي تخدم البشرية هل كان سيبقى بؤس وفقر في هذا العالم؟

وهل كانت الحكومات تسعى جاهدة للترويج لتحديد النسل بهذه الأعذار الواهية؟ من الطبيعي إذا كانت غالبية الواردات والأموال تذهب إلى جيوب الحكام وخزانات القوى الكبرى ويدس الحاكم أنفه في كل صغيرة وكبيرة، ويحدد الأعمال والتصرفات البسيطة، ويرسم حدود المساحة التي يتحرك ضمنها المواطن، بل ويحدد حتى عدد الغرف في المسكن، ونوع البناء، فحتماً ـ والحالة كهذه ـ ستعيش الشعوب حالة من الفقر واللهاث وراء لقمة العيش وسط هذه المشاكل التي زجّها حكام الجور والسلاطين المستبدون، الذين لا يهمهم سوى خدمة أسيادهم، وإرضاء غرورهم وطموحاتهم مهما كانت التضحيات، وهم على أتم الاستعداد لاختلاق شتى الحجج والتبريرات لتمرير مخططاتهم.

المثل السيئ للقمع

ذكر أن معاوية بن أبي سفيان عندما أراد أن يأخذ البيعة من الناس لابنه يزيد، أصدر أمراً بأن يتهيأ عدد من الجنود ليقف كل واحد منهم على رأس أحد المستمعين لخطابه. وأمرهم إذا رأوا أحداً من المستمعين اعترض عليهم فلهم الحق أن يضربوا عنقه بالسيف.

وفي نفس اليوم قال معاوية لأحد الخطباء: اصعد المنبر وتحدث عن التأييد لبيعة يزيد.

هذا الخطيب كان خبيثاً ماكراً فصعد المنبر وقال ثلاث جمل فقط، أوجز فيها ولبى غرض معاوية فقال:

هذا أمير المؤمنين وأشار إلى معاوية.

فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد.

ومن أبى فهذا وأشار إلى السيف.

فقال له معاوية: اجلس فأنت من الخطباء(7).

سياسة التبرير

في أيام عبد الكريم قاسم(8) وبسبب سن قانون إصلاح الأراضي الذي شُرّع لخدمة منافع الغرب في العراق، حدث نقص كبير في المواد الغذائية، ومن جملة تلك المواد التي صار من الصعب الحصول عليها البيض، حيث صار يباع في المحلات بالبطاقة ونقاسي في سبيل الحصول عليه الكثير من المعاناة، فذهب شخص إلى عبد الكريم قاسم وقال له: إنك قد دمرت الزراعة والثروة الحيوانية بإصلاحك الزراعي هذا، وخير دليل على ذلك أن كل المواد الغذائية ومنها البيض أصابها نقص شديد، إلا أن عبد الكريم قاسم ـ ولكي لا توجّه ضربة إلى ما يسمى بإصلاحاته ـ تجاهل ذلك النقص الحاصل في المواد الغذائية الأولية وأجابه قائلاً: إن الأمر على عكس ما تدعي فمنذ أن أُعلن قانون إصلاح الأراضي في العراق فإن الناس أخذوا يشترون المواد الغذائية أضعاف ما كانوا يشترونه في السابق، وهم لا يزالون كذلك. وإن البيض من جملة تلك المواد التي صاروا يشترونها بكثرة، وإن نقص البيض الذي تدعيه قد جاء من هنا!!

نعم، كل هذه الأمور هي بسبب أوامر الغرب التي وجهت إلى البلدان الإسلامية عن طريق خدامهم في المنطقة لإغراقهم بالمشاكل الجانبية وزرع الإحباط في نفوسهم، وإن الشاهد على هذه الأوامر هو أن العرب هم (210) ملايين نسمة(9) لم يتمكنوا من الوقوف بوجه دويلة إسرائيل التي لا تزيد نفوسها على (3) ملايين يهودي.

خيوط الحل

لذا ومن أجل التخلص من هذه المشاكل يجب ما يلي:

أولاً: أن تسود الحرية ربوع البلدان الإسلامية، حتى تدخل الآراء بحرية وأمان ميدان السياسة، وتصبح مسألة المناقشة وطرح الآراء من مسائل الناس المهمة، فإن الرسول والأئمة (سلام الله عليهم) صرفوا وقتاً طويلاً في محادثة ومناقشة الناس حتى الجهلة وعبّاد الأوثان منهم، علماً بأنّ توجيه أمة إلى الطريق الصحيح يكلف الإنسان المشقة والعناء وقد يصرف الإنسان المؤمن لذلك وقتاً طويلاً قد يكون بقدر عمر الإنسان نفسه. ولما كان الشخص الذي يريد أن يحصل على شهادة الدكتوراه لابد له أن يبذل جهداً لمدة تتراوح بين (20ـ30) سنة وهو فرد واحدة، فكيف إذا أردنا أن نعلم أمة بأكملها ونحن مطالبون بتعليمها.

وثانياً: الحث نحو العمل والزراعة والصناعة والاكتفاء الذاتي وفسح المجال أمامها وتسهيل عقباتها.

إذا سعينا لذلك فإن أكثر مشاكلنا الاجتماعية والتربوية والعسكرية والسياسية سوف تصل إلى الحل.

ومن دون ذلك فلا معنى للانفراج وارتفاع الأزمات، إنه قانون كوني وسماوي ثبت بالتجربة وهي خير برهان.

فضلاً عن العقل والنقل قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) (10).

اللهم ارزقنا توفيق الطاعة، وبعد المعصية، وصدق النية وعرفان الحرمة.. وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة، وعلى المتعلّمين بالجهد والرغبة، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة، وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة، وعلى موتاهم بالرأفة والرّحمة، وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة وعلى الشباب بالإنابة والتوبة، وعلى النساء بالحياء والعفة، وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة وعلى الفقراء بالصبر والقناعة(11).

سورة هود: 6.

سورة العنكبوت: 60.

الأمالي للشيخ الصدوق: ص320 المجلس 52 ح8.

نهج البلاغة: الخطبة 185.

نهج البلاغة: الخطبة 91.

الصبرة: هي الكومة من الحنطة المجتمعة في مكان واحد.

الكامل: ج3 ص 352.

عبد الكريم قاسم (1914 ـ 1963م) ضابط عراقي قاد انقلاب عام (1958م) وأطاح بالملكية قضى عليه عبد السلام عارف في انقلاب عسكري.

حسب بعض الإحصاءات الحديثة بلغ عدد سكان الوطن العربي (300) مليون نسمة.

10ـ سورة طه: 124.

11ـ انظر مصباح الكفعمي: ص281 الفصل 29 عن الإمام المهدي (عليه السلام).