الفهرس

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

العلم محترم في نظر الإسلام، مطلقاً، ولا أشمل من قوله تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟) لجميع أنواع العلوم المفيدة. ويخصص الإسلام (علم الطب) بعناية فائقة، حتى أنه يجعله في الرعيل الأول من العلوم، فيقول: (العلم: علمان ـ علم الأديان، وعلم الأبدان) وذلك حرصاً منه على صلاح الجسد، الذي لا يصلح البشر إلا به.

وقد كان علم الطب، علماً إلهامياً، أوحى الله به إلى أنبيائه، كما ورد بذلك الحديث، وكان من اهتمام الإسلام، بالطب، أن ورد متواتر الأحاديث عن النبي والأئمة الطاهرين، بهذا الصدد، حتى جمعت ضفائر منها في كتب مستقلة باسم (طب النبي) (ص) و(طب الإمام الصادق) (ع) و(طب الأئمة) (ع) و(طب الإمام الرضا) (ع) وغيرها.

والطب الذي كان بأيدي الناس، وقد جرب مئات الملايين من المرات. كان ملائماً للأبدان، وقايةً وعلاجاً، وأخطاره ضئيلة جداً.

حتى إذا تقدم الغرب في جانب من جوانب الحياة، وهو الصناعة فحسب، مما سبب تقدمه في السلاح، وأنتج التغلب على الشعوب، التي منها المسلمون، تفاعل عاملان، في نبذ الطب المجرَّب: عامل القوة في الأمة المستعمِرة، مما نفّذت إرادتها، في جميع الشؤون ـ ومنها الطب ـ بالقوة والعنف، وعامل الانهيار في الأمة المستعمَرة، حيث ظنت أن كل شيء يأتي به الغزاة هو خير وأبقى.. وإذا بالناس يهرعون إلى الطب الحديث، قراءةً، وعلاجاً، كما هرعوا إلى السيارة صنعاً وركوباً، من دون تجربة سابقة، ولا دليل واضح.

وقد حدثت مطاحنات بين الطب الحديث والطب المجرَّب، أول الأمر، ولكن اُخنق الثاني، بالنار والحديد. وقد كنت أرى قبل عشرين سنة، تقريباً أن الأطباء القدامى، يُساقون إلى المحاكم، ويؤخذ منهم الكفالات والضمانات، ويُهددون بالسجون والغرامات، إن اقترفوا إعطاء (نسخة) أو علاج مريض، كما كانت الصيادلة القديمة، المتمثلة بدكاكين العطارين ـ على وضعها البسيط ـ تكفأ كما تكفأ الآنية، ويؤخذ الالتزام من أصحابها، أن لا يبيعوا عقاراً، أو يصنعوا دواءاً.

وهكذا تمشى الطب الحديث على الأشلاء، في ظلال الأحكام المستوردة بحكامها وسجونها وغراماتها.

ومن عجيب الأمر، ما حدث أن سفينة أقلعت من البصرة إلى الهند، وفي أثناء الطريق، أصيب ربانها بوجع البطن، و(الدكتور) لم يتمكن من إبلاله، حتى إذا رأى أحد العارفين بالطب المجرّب حالة المريض، أعطاه عقاراً، فبرئ بإذن الله في الساعة، فكان ذلك خلافاً للموازين، وحيث أرست السفينة في الميناء، وإذا بالطبيب يرى رجال الشرطة يسوقونه إلى المحاكمة، ولما مثل بين يدي الحاكم ـ ولا يعلم السبب إطلاقاً ـ يسأله الحاكم: هل أنت طبيب؟ وأين شهادتك؟ وحينما يجيب بأنه ليس من ذوي الشهادة، يغرمه الحاكم خمس مائة روبية ممتناً عليه، بأنه رفق به، وإلا كان العقاب أشد.

ولماذا؟ لأنه أشفى بدون شهادة غربية، ولا يحق لأحد أن يُشفي إلا بها.

ولهذا السبب انهار الطب المجرّب في كل مكان من المستعمرات... إلا في الهند، فإن أطباءها القدامى صمدوا أمام الاستعمار، واشتكوا، وطلبوا السبب في غلق مطباتهم؟ قال المستعمرون: لأنكم لا تفهمون، فتسببون هلاك الناس، قالوا: وما الدليل على ذلك؟ قال المستعمرون: مرضاكم الذين لا يبلون من أمراضهم، قالوا: دعونا نجرب، قال المستعمرون: وما هي التجربة؟ قالوا: أن تجمعوا عدداً من المرضى، وتوزعوهم بيننا وبين الدكاترة، بنسبة متساوية، فإذا كانت نسبة النجاح عندنا أقل من نسبة النجاح عندهم، استسلمنا وبطّلنا عن عملنا، وأرغم المستعمرون لقبول هذا المنطق الصارم، الذي كان خلفه جماهير الشعب، ففعلوا ما قالت الأطباء، وإذا بالنجاح عند الأطباء أضعاف النجاح عند الدكاترة، ولذا ظلّ الطب المجرّب في الهند باقياً إلى جانب الطب الحديث. بخلاف سائر البلاد التي أزيح فيها الطب المجرّب بكل قوة، ولم يُمهل لأن يدافع عن نفسه ولو بشطر كلمة.

ثم .. جاء الطب الحديث، وقد خلا له الجو، فماذا صنع؟:

1 ـ لم يعرف الأمراض، ولا عرف علاجها، حسب ما ينبغي، بل جعل أساس الطب أمراً مغلوطاً.

2 ـ جعل أجور الدكاترة (ربع دينار) و(نصف دينار) و(دينار) إلى (خمسين دينار)، إذا سافر من بغداد إلى كربلاء مثلا، وأجور العمليات شيء مدهش جداً، بينما كان أجر الطبيب السابق (عشرة فلوس) و(خمس وعشرين فلساً) وغايته (درهماً) .

3 ـ رفع أثمان الأدوية من فلس وفلسين وعشرة وما أشبه إلى أرقام خيالية، تتصاعد من ربع دينار إلى ألف دينار.

4 ـ جعل مكان العلاج الطفيف، عملية صعبة مخطرة، حتى أن من يحتاج إلى (مسهل من دهن اللوز والخروع) تجري عليه عملية شق البطن، وبتر الزائدة الدودية، وهكذا.

5 ـ إطالة المرض بحدود مدهشة، وكثيراً ما يقول الدكتور بأنه لا علاج لأمراض كانت طفيفة في نظر الطب المجرّب.

6 ـ إيجاد مختلف أقسام الأمراض، لمن يستعمل الأدوية، حيث إنها حادة وجاهلة في وقت واحد.

7 ـ الاشتباهات الكثيرة، الموجبة لهلاك المريض في كثير من الأحيان، أو نقصهم عضوياً، أو في بعض القوى.

8 ـ استيراد مناهج جديدة للأطعمة والأشربة وما إليها، مما تسبب في مختلف الأمراض.

9 ـ التمسك بالتشريح لأجسام الأموات، بصورة هائلة، وبشقه في وقت واحد.

10 ـ تأرجح الأدوية والمناهج الطبية في طول الخط، فكل يوم كشف جديد، ودواء جديد، ومنهاج جديد.. وكلها تتفق على أن ما سبقه كان مغلوطاً، مما سبب رفع الثقة اطلاقاً. وهذا مهم جداً في عالم الطب والعلاج.

ومن القصص العجيبة: أنا كنا نتوجس خيفة من هذا الطب، يوم أن انتشر في العراق، وقد وقعنا ضحية له بكل معنى الكلمة.

فقد مرض أخ لي يسمى (حسيناً) قبل بضع سنوات، وأرغمنا على مراجعة أحد هؤلاء، بعدما انسدت أبواب الطب المجرب، وتقلصت تبعاً لذلك العقارات النباتية الطبيعية، وإذا بالدكتور يعطي دواءاً، ويأمر بإعطائه المريض جرعة جرعة، وفي ليلة العلاج (المقلوب) أخذ المريض يضطرب اضطراب السمكة، لكنه حيث كان رضيعاً لم يتمكن من التكلم، والممرضة تطبق أوامر الطبيب، فلم ينفجر الصباح، إلا وصعدت روح المريض إلى رياض القدس، ولما راجعنا الطبيب قال: نعم.. إنه كان خطأً، وكان ينبغي أن يُكف عن إعطاء الجرع، حين رأوا اضطراب المريض.

ثم ماذا؟ لا شيء، لأن الطب الحديث لا يعرف مسؤوليته أمام الله، ولا أمام الحكومة، ولا أمام المجتمع فالله (خرافة) عند كثير من دكاترتنا، والحكومة هي التي مهدت سبل هذا الطب، فكيف تحاسب الطبيب؟ والمجتمع لا قيمة لهم، ما دام يمكن درؤهم. وهم مضطرين منهم، حيث لا يجدون ملجأ، يهربون إليه من هؤلاء الأطباء، وهذا الطب.

واتفق أن مرض (والدي) بـ(ضغط الدم) وهو مرض لم يعرفه الدكاترة كسائر الأمراض، ولم يعرفوا علاجه، كسائر العلاجات، ولذا فقد عالجنا بمختلف وسائل العلاج، ولست اكذب أن قلت أن مقدار ألف دينار، أُنفق في هذا المرض، حتى عرفنا أخيراً العلاج، وهو: (الحجامة) و(الفصد) اللذان يمنع عنهما الأطباء بكل قوة، فكان يفعل أحد الأمرين في كل شهرين ـ تقريباً مرة، حتى جاء أحد الدكاترة وأعطى بعض الأدوية، وقال: أن الضغط قد زال فلا تخرجوا الدم، ونهى أشد النهي عن ذلك، فلم تمض سنة من ذلك، حتى أصيب الوالد، بالسكتة القلبية (موت الفجأة) من جراء تراكم الدم، وانتقل إلى جوار رحمة الله سبحانه.

ثم.. لم تمض من هذا الحدث إلا سنة ونصف، إذ مرضت أخت لي في ريعان عمرها، وراجعت الدكاترة، وإذا بهم يشخصون هبوطاً في دمها، ويعطونها حبات لاصعاد الدم ـ عبثاً واعتباطاً ـ وفي ذات يوم صباحاً، أخبرت بأنها لم تقم من منامها ـ كما كان عادتها في كل يوم ـ وحضرنا عندها، وإذا بها ميتة، وجمعنا لها الأطباء، وكان فيهم الطبيبان اللذان باشرا علاجها (المقلوب)، وأخذ بعضهم يلوم الآخر في إعطاء (هذه الحبات) .. وكان هذا كل الأمر، وكأنه لم يحدث حدث، ولم يقتلا إنساناً.

أما القصص التي شهدتها بنفسي، أو سمعتها من الثقاة، فهي عدد الرمل والحصى والتراب.

إن هذه القصص المؤلمة، لتبشر بخير، وان أمد هذا الطب الزائف قد انقضى، وإن الطب المجرّب، سيرجع إلى الوجود.. لكن من المهم أن يعي ذلك جماعة من أهل العمل والجد، حتى يسعوا في إعادة الطب الصحيح، في أقرب فرصة، وإلا فإن بقي هذا الطب لسبب مرض جميع الناس، ولا وصلت حالتنا، إلى ما وصلت إليه حالة (الأمريكان) حيث إن كل ثمان نفر منهم، لابد وان يكون أحدهم مصاباً بـ (السرطان) كما يقوله الأمريكي الذائع الصيت (ديل كارينجي) في كتابه (دع القلق) .

وإني وإن لم أكن طبيباً بالمعنى القديم، ولا دكتوراً بالمعنى الحديث، لكن المقارنات، والمباحثات التي جرت بيني وبين جماعة من الصنفين والمشاهدات الخارجية، ودراستي لبعض الطب القديم، وبعض مبادئ الطب الحديث، جعلتني أشعر بوجوب إنقاذ البشرية، من براثن هذا الطب، كما يجب إنقاذها من براثن القنابل والصواريخ.

وهذا هو الذي سبب أن ألخص كتاب (التحفة) سابقاً، وأشرح مقدمة كتاب القرشي حاضراً، لينشر هذا الطب ـ حسب قدرتي ـ بين الطلاب، فلعلهما يكونان لبنة في بناء الطب المجرّب من جديد.

والله المستعان، وهو الشافي

كربلاء المقدسة

محمد بن المهدي