| فهرس الفصل الثالث | المؤلفات |
|
التغيرات السماوية والأرضية |
|
وأما التغيرات غير الطبيعية، ولا المضادة لها، فتكون إما من أسباب سماوية، أو من أسباب أرضية. أما السماوية، فكما يجتمع مع الشمس كثير من الدراري، فيوجب تسخيناً حتى في الشتاء، وكما يحصل عند كسوف الشمس من بردٍ دُفعةً حتى في الصيف. والأرضية، فكما يكون بسبب اختلاف المساكن إما لأجل عروضها، أو لمجاورة الجبال والبحار لها، أو لوضعها، أو لتربتها والعرض، هو: مقدار البعد عن خط الاستواء الذي هو في غاية الاعتدال، وأكثر الإقليم الثاني والثالث مفرط الحرارة، والإقليم السادس والسابع مفرط البرودة، والخامس والرابع أقرب إلى الاعتدال. ومجاورة البحر ترطب الهواء، والبلد البحري يعتدل حره وبرده، لعصيان هوائه على المؤثر والجبل الشمالي يسخّن هواء البلد لمنعه هبوب الرياح الشمالية الباردة اليابسة، وحبسه الرياح الجنوبية الحارة الرطبة، وشعاع الشمس على البلد. والجبل الجنوبي بالعكس. والجبل المغربي خير من المشرقي، لستر المشرقي شعاع الشمس مدة، فينتقل أهل هذا البلد من برد الليل والغدوات إلى شمس قوية دفعةً، ولمنعه ريح المشرق وهي خير من الريح المغربية وإن قاربتا الاعتدال، لهبوب المشرقية أول النهار في الأكثر مصاحبة لحركة الشمس، وهبوب المغربية آخر النهار في الأكثر مضادة لحركتها. والبلد المرتفع هواؤه أصح وأبرد، والمستوي الوضع أصح. والتربة الكبريتية تجفف وتسخن الهواء. والتربة النزية ترطب وتعفن. والجبلية تصلب الأبدان. والهواء البارد: يشد البدن ويقويه، ويجود الهضم، ويحسن اللون. وأمراضه: الزكام، والنزلة، والصرع، والفالج، والرعشة. والحار: مرخٍ، مضعف، مسيء للهضم، مكدر للحواس، ومثقل للدماغ. وأمراضه: الخناق، والحميات. |
|
(وأما التغيرات غير الطبيعية، ولا المضادة لها) أي للطبيعة (فتكون إما من أسباب سماوية، أو من أسباب أرضية. أما) الأسباب (السماوية، فكما يجتمع مع الشمس كثير من الدراري) هي جمع دري، بمعنى: الكوكب، سواء كانت ثابتة أو سيارة، ومعنى اجتماعها أن يكون الخط الخارج من مركز العالم ماراً بمركز الشمس، ومركز ذلك الكوكب. لما هو معلوم من أن الشمس والكواكب في أفلاك متعددة، فيمكن اجتماعهما بهذا المعنى، ثم أن اجتماع الشمس بالكوكب السيار يكون بحركتها أو بحركته، أما اجتماعها مع الكوكب الثابت، فإنما يكون بحركتها (فيوجب) هذا الاجتماع بين الشمس وبينها (تسخيناً) في الجو (حتى في الشتاء) لاجتماع الحرارات المتعددة، فإن كان ذلك في الصيف اشتدت الحرارة وإن كان في الشتاء أحدث الحرارة، ثم أن طال الاجتماع قوي الحر، وإلا كانت موجة عابرة (وكما يحصل عند كسوف الشمس من بردٍ دُفعةً) لأن فصل القمر بين الشمس وبين الأرض يحول دون وصول أشعة الشمس إلى الأرض فتبرد (حتى في الصيف) لكن لما كان الكسوف لا يدوم، كان البرد غير معتد به، ومن جملة التغيرات السماوية ظهور ذات الذنب في الأفق، وكثرة النيازك، وما أشبه ذلك. (و) أما الأسباب (الأرضية) الموجبة لتغير الهواء تغيراً غير طبيعي ولا مضاد للطبيعة (فكما يكون بسبب اختلاف المساكن) باعتبار الهواء (إما لأجل عروضها) أي عروض المساكن، وعروض جمع عرض وهو: بعد المسكن عن خط الاستواء مقابل الطول الذي هو: عبارة عن بعد المسكن عن ـ جزائر الخالدات ـ على ما قالوا، فإن عرض المسكن كلما كان أبعد عن خط الاستواء كان أكثر برداً وأقل حراً، والعكس بالعكس (أو لـ ) أجل (مجاورة) المسكن (الجبال) سواءً كان عليها أو في طرفها (و) كذلك مجاورة (البحار لها) أي للمساكن سواءً كانت قريبة من البحر، أو في البحر على جزيرة طبيعية، أو مصطنعة (أو لوضعها) أي وضع المساكن بأن كانت في موضع مستوي كالأرض المستوية، أو موضع مختلف كالبلاد الواقعة على الجبال، (أو لتربتها) بأن كانت تربة الأرض كبريتية أو مبتلّة أو نحوهما. حيث ذكرنا أن اختلاف عروض البلاد من أسباب اختلاف هوائها، فلنشرح ذلك إجمالاً فنقول: (والعرض، هو: مقدار البعد) للبلد (عن خط الاستواء) المنصف لسطح الأرض (الذي هو) أي خط الاستواء (في غاية الاعتدال) لما مر سابقاً، وكلما ابتعد البلد عن الخط ـ وبالأخص ـ عن مدار رأس السرطان الذي هو الميل الكلي يكون أبرد. (وأكثر الإقليم الثاني، و) الإقليم (الثالث مفرط الحرارة) قد مر معيار الإقليم، وأن النصف الشمالي منقسم إلى سبعة أقاليم فراجع. وإنما كان الإقليمان، كثيري الحرارة لأنهما قبل الميل الكلي وبعده القريب منه، فتمر الشمس عليهما أو تقرب منهما. (والإقليم السادس والسابع مفرط البرودة) لدوام بعد الشمس عن رؤوسهم بعداً كثيراً. (والخامس والرابع أقرب إلى الاعتدال) لعدم دوام بعد الشمس كثيراً عنهما، ولا مسامتة الشمس لرؤوسهما، وإن كان الرابع أقرب، لأنه وسط بين الأقاليم. (ومجاورة) البلد لـ (البحر ترطب الهواء) لأن الماء يتبخر بواسطة الحرارة إلى الهواء فيرطب بالأبخرة (والبلد البحري) الذي يكون على شاطئ البحر أو في وسطه (يعتدل حره وبرده) حره في الصيف على مقدار برده في الشتاء (لعصيان هوائه على المؤثر) فإن هواءه كثيف بسبب الأبخرة، فلا يؤثر فيه المبرّد والمسخّن، ولذا لا يشتد حره وبرده. البلد الواقع في طرف الجبل على أقسام أربعة، لأن الجبل إما في الشمال، أو في الجنوب، أو في الشرق، أو في الغرب بالنسبة إلى البلد (والجبل الشمالي) الذي يكون في شمال البلد (يسخن هواء البلد) لوجوه، الأول: (لمنعه) أي منع الجبل عن البلد (هبوب الرياح الشمالية الباردة اليابسة) وكون الرياح الشمالية باردة لأجل مرورها على أراضٍ باردة كثيرة الثلوج والبرودة، وكونها يابسة لأن الحرارة قليلة فلا تبخر المياه الكثيرة لتختلط بالهواء ليكون رطباً (و) الثاني: لـ (حبسه) أي حبس الجبل (الرياح الجنوبية الحارة الرطبة) فإن الرياح إذا هبت من الجنوب نحو البلد صد الجبل لها عن الجواز فتبقى محتبسة في البلد، وكون رياح الجنوب حارة لأنها تمر بمداري الجدي والسرطان، أعني الميل الكلي الشمالي والجنوبي، فتكتسب الحرارة من هناك، وكونها رطبة فلأن البحار أكثرها جنوبية وهو ما يرطب الرياح بما يخالطها من الأبخرة المرطبة التي تتصاعد بسبب إشراق الشمس عليها (و) الثالث: لحبسه (شعاع الشمس على البلد) فإن الشمس تشرق من طرف الجنوب، فإذا وقع شعاعها على الجبل الشمالي انعكس الحر منه إلى البلد، فيكون الجبل سبباً لتسخين هواء البلد. (والجبل الجنوبي) الذي يكون في جنوب البلد (بالعكس) من الجبل الشمالي، فيبرّد هواء البلد، لمنعه هبوب الرياح الجنوبية الحارة، وحبسه الرياح الشمالية الباردة، وستره شعاع الشمس عن البلد. (والجبل المغربي) الذي يكون في مغرب البلد (خير من) الجبل (المشرقي) الذي يكون في مشرق البلد، وذلك لوجهين، الأول: (لستر) الجبل (المشرقي شعاع الشمس) عن البلد (مدة) عند طلوعها حتى إذا ارتفعت على قُلَل الجبل ظهرت على البلد دفعة واحدة، (فينتقل أهل هذا البلد من برد الليل و) برد (الغدوات إلى) حر (شمس قوية دفعة) فتتوارد الأضداد عليهم، وقد سبق أن توارد الحالات المتضادة يوجب الأمراض. لا يقال: وكذلك في الجبل المغربي، فإنه ينتقل أهل البلد من حر الشمس إلى برد الأصيل دفعة، لتستر الشمس بالجبل. لأنه يقال: إنه لا يوجب الانتقال من حر قوي إلى برد قوي، لأن البرد عند أول غيبة الشمس لا يكون قوياً، إذ الأرض متأثرة بطول إشراقها عليها من أول الصبح، (و) الثاني: (لمنعه) أي الجبل المشرقي (ريح المشرق) عن البلد. (وهي) أي الرياح المشرقية (خير من الريح المغربية وإن قاربتا) أي الريحان (الاعتدال) بالقياس إلى الرياح الشمالية والجنوبية. وإنما كانتا معتدلتين لأن الشمس في طول سيرها من المشرق إلى المغرب تفعل فعلاً واحداً، بخلاف الجنوب والشمال الذين يكونان مختلفين كما عرفت، فتختلف رياحهما وإنما كانت المشرقية خير من المغربية (لهبوب المشرقية أول النهار في الأكثر) من الأوقات (مصاحبة لحركة الشمس) إذ الريح تتولد من تمدد الهواء، الذي يكون بواسطة الحر الذي تثيره الشمس في الفضاء، فالشمس حينما تقبل تحرك الرياح وتصطحبان في الاتجاه نحو البلد، فتكون الرياح مؤثرة بالتلطيف والتعديل وتحليل الفصول كثيراً لاجتماع الحرين، الشمس والرياح (و) ذلك بخلاف الريح المغربية فإن (هبوب المغربية آخر النهار في الأكثر) من الأوقات (مضادة لحركتها) أي حركة الشمس، إذ الشمس تميل نحو الغروب، والريح الحادثة منها تهب نحو المشرق، فإن الشمس تثير الرياح في طرفيها، لكن عند الصبح تهب رياح الشمس المصطحبة لها على البلد، وعند المغرب تهب رياح الشمس المفارقة لها على البلد، ولذا تكون رياح المغرب أبرد من رياح الصبح لأنها، لا تصطحب مع حر الشمس. (والبلد المرتفع) الواقع على جبل أو أرض مرتفعة (هواؤه أصح وأبرد) فإن الهواء كلما كان أقرب إلى الأرض كان أعدل، بسبب اختلاطه بأبخرة الماء وذرات الأرض وحرارة الشمس المنعكسة عن الأرض، وكلما ابتعد تقللت فيه الأمور المذكورة فيكون أنقى من التراب والماء وأبرد، لعدم انعكاس الأشعة إليها إلا قليلاً (و) البلد (المستوي الوضع) من البلاد (أصح) من مختلف الوضع الذي يكون على الجبل ونحوه، مما يوجب ارتفاع بعض أجزاء البلد وانخفاض بعض أجزائه، وذلك لاتفاق هواء البلد المستوي، واختلاف هواء البلد المختلف وضعه بالبرودة لأجزائه المرتفعة، والحرارة لأجزائه المنخفضة، فيكون تحرك الهواء من هنا إلى هناك، أو تحرك الشمس معرضاً للإنسان لاختلاف الحالة الدفعية عليه. وقد عرفت أن توارد الأضداد دفعة يوجب الأمراض. (والتربة الكبريتية) التي تميل إلى الكبريت، فإن بعض الأراضي تكون كذلك (تجفف وتسخن الهواء) لاكتساب الهواء من الأرض حرارةً لاصطكاكه بها، وحيث أن الكبريت حار يابس يكون الهواء مجفف مسخن. (والتربة النزية) وهي التي تكون ذات نزّ، وتولد النزيز، وهو الرطوبة التي تخرج من الأرض تدريجاً (ترطب) الهواء لاختلاطها بالأبخرة المتصاعدة من النزيز واصطكاكها به (وتعفن) الهواء أيضاً لأن، الذرات المائية لاحتقانها في فرج الأرض تتعفن، فتعفن الهواء المختلط بها (و) الأرض (الجبلية) الواقعة على الجبل (تصلب الأبدان) لقلة الرطوبة في أرضها وهوائها، فلا تسترخي الأبدان بالرطوبة، بعكس الأرض النزّة. (والهواء البارد: يشد البدن ويقويه) لأنه يقبض مسام البدن، ويجمد الرطوبات، فلا يكون البدن مرتخياً بسبب التخلخل وبسبب الرطوبة، ولأنه يحفظ الروح الغريزية من الخروج حيــث المسام منسدة وهي منشأ الحس والحركة والقوة، (و) الهواء البارد (يجود الهضم) لبقاء الروح كثيراً في البدن، وهي توجب حسن الأفعال التي منها الهضم (ويحسن اللون) إذ أنه لو صلح الهضم تولد دم صالح نقي وكثرت الأرواح، فيشرق اللون ولسد الفُرَج المقبحة لانسداد المسام (وأمراضه) أي أمراض الهواء البارد (الزكام، والنزلة) لما تقدم، (والصرع) لاحتقان البلغم في البدن، والصرع إنما يتولد من البلغم (والفالج، والرعشة) للسبب المذكور أيضاً، إلى غير ذلك من الأمراض البلغمية. (و) الهواء (الحار: مرخٍ) لأنه يوسع الخلل والفرج، فتخرج الأرواح وتحلل الغذاء كثيراً، فلا يبقى في البدن المقدار الكافي للشدة والقوة، ولأنه يسيل الرطوبات إلى الأعضاء فترتخي (مضعف) للقوى لما ذكر (مسيء للهضم) لخروج كثير من الروح والحرارة الغريزية من مسام البدن المتخلخلة، فلا يبقى المقدار الكافي للهضم منها، ولارتخاء المعدة بسبب انصباب الرطوبات السائلة إليها (مكدر للحواس) لتحليل القوى الحساسة، وإرخاء آلاتها وبلّة الدماغ بالرطوبة السائلة إليه بسبب الحر، (ومثقل للدماغ) لتصعد الأبخرة والمواد إليه، وهو يقبلها لضعفه بسبب حر الهواء (وأمراضه: الخناق) لأن الغدد الواقعة في الحلق تقبل ـ لضعفها ـ ما ينصب إليها من المواد السائلة من الرأس (والحميات) لتوليد الهواء الحار المراد، وتعفنها لكثرتها وتراكمها، وهي تولد الحمّى. |