الفهرس

المؤلفات

 الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

الفصل في موارده

فصل السجناء بعضهم عن بعض إذا أرادوا ذلك، كمــا يلزم الفصل بين الرجال والنساء والصبيان فيما إذا كان ذلك خوفاً الفتنة أو المشكلة، وكذلك فصل الخطرين منهم عن غيرهم، بل وفصل المؤذي للسجناء بسبب جنون أو نحوه.

أما إذا لم يكن محذور كما إذا شاءت العائلة أن تكون مع ولي أمرها فلا بأس بسجنهم جميعاً في مكان واحد.

الرعاية الصحية

يلزم توفير الشروط الصحية للسجناء، من حيث السعة والهواء والإضاءة والتدفئة والتبريد والأدوات الصحية حتى لقضاء الحاجة مع لياقتها ونظافتها، وتهيئة حمامات كافية يراعى فيها الفصول السنوية، فيتوفر فيها الماء الحار والماء البارد وما أشبه، ويكون الذهاب إلى الحمام حسب رأي السجين نفسه، واللازم صيانة هذه الأماكن ونظافتها باستمرار من قبل الدولة.

ومن اللازم أيضاً أن يتوفر للسجين ما يلزمه من الأطباء والأدوية ويسهل عليه مراجعة أي طبيب شاء حتى في خارج السجن.

المأكل والمشرب المناسب

تزويد السجين بالمأكل والمشرب والملبس بما يناسبه ويناسب الفصول كالصيف والشتاء ونحوهما، كل ذلك في سعة ورفاه، نعم ورد(1) في الشريعة التضييق على بعض السجناء وذلك لرجاء أن الضيق يؤدي إلى الانقلاع ـ كما هو الغالب ـ فيخرج من السجن بانقلاعه.

ويدل على المستثنى منه: بإلاضافة الى القواعد العامة، ما ورد عن جعفر بن محمد عن أبيه(عليهما السلام): أن علي بن أبي طالب(صلوات الله عليه) لما ضربه ابن ملجم، قال: (احبسوا هذا الأسير وأطعموه وأسقوه وأحسنوا أساره فإن عشت فأنا أولى بما صنع بي، إن شئت استنقدت، وإن شئت عفوت، وإن شئت صالحت، وإن مت فذلك إليكم فإن بدا لكم أن تقتلوه فلا تمثلوا به)(2).

لكن لا يخفى أن الامام(عليه السلام) أحب أن يعفو أولياؤه عن ابن ملجم من دون أن يلزمهم بذلك كما في كلام له في نهج البلاغة(3) وفيه: (أنا بالأمس صاحبكم واليوم عبرة لكم وغداً مفارقكم، إن أبق فأنا ولي دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة فاعفوا(ألا تحبون أن يغفر الله لكم) (4)) إلى آخر كلامه(عليه السلام).

وأما المستثنى فهو المولى إذا أبى أن يفيء أو يطلق وما اشبه، ففي خبر غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: (كان أمير المؤمنين(عليه السلام) إذا أبى المولى أن يطلق، جعل له حظيرة من قصب وأعطاه ربع قوته حتى يطلق)(5) ومن المعلوم أن هذا التشديد إنما هو من جهة أنه يطلق أو يرجع فيخرج من السجن.

وفي رواية أخرى(6): (إنه إن فاء: وهو أن يرجع إلى الجماع، وإلا حبس في حظيرة من قصب وشدد عليه في المأكل والمشرب حتى يطلق).

المفتش لصالح السجناء

يلزم أن يكون هناك مفتش عن أحوال السجناء، وأنه هل تطبق القوانين المرتبطة برعاية السجين في كل النواحي المذكورة أم لا؟.

ومن الضروري أن لا يكون المفتش من نفس خط إدارة السجن لإمكان تواطئهم على السجين، بل يكون من خط آخر كحزب معارض أو ما أشبه ذلك..

وإذا رأى المفتش النقص وعلم بأن إدارة السجن لا تهتم بالتكميل رفع الأمر إلى الجهات العليا لإصلاح تلك النواقص.

تأديب السجناء

لا يحق لإدارة السجن تأديب السجناء، بل اللازم عند إساءتهم مراجعة الشرطة، فيلزم أن يكون فصل بين السجن والشرطة.. وكأن السجين إنسان حر في خارج السجن كيف كان يُعامَل معه حينذاك.. كذلك يعامل داخل السجن.

ولا حق لإدارة السجن إعطاء الصلاحية لبعض السجناء في تأديب الآخرين.

نعم لا بأس بتدريس بعض السجناء بعضهم الأخلاق أو ما أشبه من العلوم الدينية والدنيوية، أو عقدهم حلقات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها.. يديرها بعض السجناء للآخرين.

التعليمات اللازمة

يعطى لكل سجين تعليمات السجن ويعرّفوه حقوقه فيها وما له وما عليه، كتابة لمن يعرف القراءة، وبواسطة الأشرطة الصوتية أو ما أشبه لمن لا يعرف الكتابة.

حفظ ما يملكه السجين

يلزم حفظ ما هو ملك السجين من نقوده وملابسه وساعته والأشياء الثمينة وغيرها، وإثباتها في قائمة يوقّع عليها توقيعاً رسمياً ويرجعها له عند الخروج، واستلام وصل منه.

الملابس الخاصة

ليس من حق إدارة السجن الضغط على السجين بأن يلبس ملابس خاصة وإنما هو حسب اختياره.

موظفو السجن

يلزم أن يكون موظفو السجن على مستوى ثقافي واجتماعي لائق، ولهم أبدان سليمة وأذهان صحيحة، وأن يجتازوا تدريباً عاماً وتخصصاً قبل توظيفهم، وأن يحافظوا على هذا المستوى بل يعملوا على رفعه أثناء الخدمة، وان يمرنوا حتى يكونوا قدوة حسنة للمسجونين في سلوكهم، وأن يكونوا ذوي كفاءة وإنسانية وأخلاق.

كما أنه يلزم توعية السجانين والرأي العام بمهمة السجون والاهتمام بها، فتستخدم الوسائل المناسبة لذلك.

ويلزم أن يكون موظفو السجون متفرغين، وأن يتمتعوا بحقوق موظفي الدولة المدنيين، وتكون رواتبهم كافية نظراً لعملهم الشاق، بل فوق الكفاية حتى يسبب ذلك الرفاه لهم مما ينعكس على أخلاقهم، كما يلزم أن يعطوا مكافئات نقدية وغير نقدية على حسن خدمتهم، ومن تلك المكافئات السماح لهم بالغياب وما أشبه بما لا يسمح لسائر الموظفين فإن عملهم الشاق يقتضي كل ذلك.

سجن الرجال والنساء

يلزم أن يكون مدير وموظف السجن للرجال رجالاً وللنساء نساءً، فلا يستخدم موظفات لإدارة سجون الرجال ولا موظفين لإدارة سجون النساء، كما يلزم أن يكون الرجال متزوجين والنساء متزوجات.

وإذا أراد كل واحد منهم الاجتماع مع عائلته في مكان من نفس ردهات السجن الخارجية يلزم توفير ذلك لهم.

وفي سجن الأحداث لا يختلط البنون والبنات، فإن ذلك ينتهي الى المفسدة، بل اللازم أن يكون للبنين سجن خاص وللبنات سجن خاص.

انضمام الأخصائيين

يلزم أن ينضم إلى مدير السجن وسائر الموظفين أخصائيون بعلم النفس وعلم الاجتماع، وهكذا الخبراء في الصناعة والطب وما أشبه، وذلك بصورة مستمرة حتى يمكن تربية السجين وتعليمه والارتفاع بمستواه مما يجعله في المستقبل عضوا صالحاً في المجتمع.

واللازم أن يكون هناك مع المساجين طبيب على صورة الخفر دائماً وذلك للطوارئ المحتملة.

بناية السجن

يلزم أن تكون بناية السجن الداخلية بناية محكمة غير قابلة للتخريب حتى لا يتمكن بعض السجناء من تخريب البناية من الداخل، كما يلزم أن لا تكون داخل السجن آلات يمكن التخريب بها، أو يمكن جرح بعضهم بعضا، أو جرح بعضهم لنفسه، أو شنق نفسه بسبب حبل أو ما أشبه.

أقسام السجن

كل أقسام السجن على وتيرة واحدة من الأحكام التي ذكرناها، فإن السجن في الإسلام على ثلاثة أقسام:

الأول: (السجن الاحتياطي) وهو يتخذ من قبل الحاكم حول المتهم حتى يظهر براءته أو تجريمه كما ورد(7) من أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يسجن في الدم بستة أيام.

وورد أن علياً (عليه الصلاة والسلام) حبس متهماً بالقتل حتى نظر في أمر المتهمين معه.

ولا يخص هذا الشيء الاتهام في القتل بل يسري في غيره حسب الملاك، فقد روي أن عليا (عليه الصلاة والسلام) قضى في الدين أنه يحبس صاحبه فإن تبين إفلاسه والحاجة فيخلي سبيله حتى يستفيد مالاً)(8).

الثاني: (السجن الحقوقي) وهو الحبس من أجل ذهابه بحقوق الناس، وهو قسم من الجريمة أيضا، فقد روي(9) أن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) كان يحبس ثلاثة: الغاصب ورجلاً أكل مال اليتيم ومن أُوتمن على أمانة فذهب بها.

الــثالث: (الســـجن الجنائي) وهو السجن الـــذي يسجن به الـــجناة وقد ذكـــرنا جملة من أمثلته في كتاب الحدود(10) مثل ما روي(11) أن علياً(عليه الصلاة والسلام) قضى في أربعة تباعجوا بالسكاكين وهم سكارى فسجنهم حتى يفيقوا، فمات منهم اثنان وبقي الاثنان فقضى بالدية على الأربعة وأخذ جراحة الباقيين من دية المقتولين.

وإنما قلنا بأن السجن لكل هؤلاء على قرار واحد، لأن الأدلة العامة تجري في كل أقسام هؤلاء المساجين.

 

1 ـ راجع فقه الرضا: ص248 باب الإيذاء واللعان، فيمن آلى زوجته وأبى أن يرجع إليها فقال: (قيل له طلق فإن فعل وإلا حبس في حظيرة من قصب وشدد عليه =في المأكل والمشرب حتى يطلق). وكذا غوالي اللئالي: ج3 ص395 باب المواريث، وفيه: (والمرأة إذا ارتدت استتيبت فإن تابت ورجعت وإلا خلدت السجن وضيق عليها). وفي مستدرك الوسائل: ج6 ب17 ص27 ح6354: (إن علياً(عليه السلام) كان يخرج الفساق إلى الجمعة وكان يأمر بالتضييق عليهم).

2 ـ قرب الإسناد: ص67.

3 ـ نهج البلاغة: الخطبة 149 الفقرة 4.

4 ـ سورة النور: 22.

5 ـ الكافي: ج6 ص133 ح13.

6 ـ الفقه: ج3 ص524 ح4824 ب2.

7 ـ راجع الكافي: ج7 ص370 ح5 (وفيه: عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال إن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحبس في تهمة الدم ستة أيام فإن جاء أولياء المقتول ببينة وإلا خلى سبيل(ه).

8 ـ تهذيب الأحكام: ج6 ب22 ص232 ح19.

9 ـ تهذيب الأحكام: ج6 ب22 ص299 ح43، وفيه: عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: (كان علي(عليه السلام) لا يحبس في السجن إلاّ ثلاثة: الغاصب، ومن أكل مال يتيم ظلماً، ومن ائتمن على أمانة فذهب بها وإن وجد له شيئاً باعه غائباً كان أو شاهداً).

10 ـ موسوعة الفقه: ج87 و88، كتاب الحدود والتعزيرات.

11 ـ تهذيب الأحكام: ج10 ب4 ص240 ح5، وفيه: عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون بسكاكين كانت معهم فرفعوا إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فسجنهم فمات منهم رجلان وبقي رجلان، فقال أهل المقتولين يا أمير المؤمنين أفدهما بصاحبينا، فقال علي(عليه السلام) للقوم: ما ترون، قالوا: نرى أن تقيدهما، قال علي(عليه السلام) : فلعل ذينك الذين ماتا قتل كل واحد منهما صاحبه، قالوا: لا ندري، فقال علي(عليه السلام) : بل أجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة وآخذ دية جراحه الباقين من دية المقتولين، وذكر إسماعيل بن الحجاج بن ارطأة عن سماك بن حرب عن عبد الله بن أبي الجعد قال كنت أنا رابعهم فقضى علي(عليه السلام) هذه القضية فينا.